مقالات

التقاعد الإجباري وخسارة الكفاءات

د.صلاح النعيمي

حافظوا على تعاقب الأجيال التقاعد الإجباري وخسارة الكفاءات

اكتب هذه المقالة وانا متيقن ان هنالك من سيفهم جوهر مقاصدي ، بالاتجاه الذي يعزز المكانة الوطنية ويمنح الأمل بإمكانية تجاوز العقبات والمشاكل التي ستكون لها تأثيرات عميقة يصعب ايجاد حلول ممكنة بشأنها في المستقبل .وأود الإشارة مقدما” الى أن هنالك أمرين ، لابد من مراعاتهما لكي يكون بالإمكان اعتماد مبدأ التغيير بهدف التجديد الوظيفي والانطلاق نحو الأفضل ، وهما :– الاعتزاز بالخبرات وإدامتها ، من خلال الحفاظ على فلسفة وآليات( البناء التراكمي ) الذي يستند الى ضرورات استثمار العقول والإمكانات المتاحة ودعم الكفاءات واسنادها وتوفير بيئة حاضنة ومحفزة .– الاهتمام بتهيئة البدلاء من الموظفين المتدرجين وظيفيا” وتدريبهم بمعية الخبرات الموجودة ( قدامى الموظفين والمسؤولين) لاكسابهم المعلومات المطلوبة وبناء جسور التواصل والتفاعل ، ما سيؤدي الى تهيئة فئة من الموظفين الشباب القادرين على اشغال مواقع الخبرات السابقة ، حينما يحين موعد مغادرتها سواء بالتقاعد أو جراء المرض أو الحوادث والموت المفاجئ .

لقد حدثني أحد خبراء الدبلوماسية العراقية وهو أستاذ جامعي في الأصل عمل سنوات طويلة في جامعة بغداد قائلا” .. (عندما كنت طالبا” في كلية سانت أنتوني / جامعة اوكسفورد في بريطانيا ، دخلت إحدى القاعات التي كانت ممتلئة ، ورأيت كرسيا قديما” فارغا” فجلست عليه …. بعد لحظات حضرت سكرتيرة القسم حاملة كرسيا متحركا وطلبت مني باحترام الانتقال اليه … وحينما انتهت الجلسة سألتها عن السبب ، فقالت بدون تردد إن هذا الكرسي خاص بالبروفيسور السيد شارلس وبستر /أستاذ التأريخ ولغات اوروبا الشرقية .. وإذا تغيب عن الحضور لسبب ما ، يبقى الكرسي فارغا” احتراما” وتكريما” لما قدمه للجامعة) .

مقتطفات لبداية الحديث : * لو كنت صاحب شركة خاصة ، لفكرت كثيرا” قبل أن تقرر الاستغناء عن بعض الخبراء الذين ساهموا معك في تأسيسها وتحقيق نجاحاتها ..، ومن المؤكد انك ستهتم بالبحث عن خبرات متمرسة بديلة .. وإن أقرب الحلول التي يتمحور حولها تفكيرك ، يتجسم في الارتقاء بأداء الموظفين الشباب وتهيئتهم ليكونوا بدلاء المستقبل ، بعد أن تقوم بتدريبهم واكسابهم الخبرات اللازمة لضمان استمرار العمل .. استعدادا” لمرحلة ضخ دماء جديدة .

وبسبب كبرحجم المسؤولية في قيادة المؤسسات الحكومية ، فإن المكلف بمنصب ينبغي أن يكون قادرا” على تحمل المسؤولية .. واذا لم يتفاعل جيدا” مع المرؤوسين (الملاك المتقدم ورؤساء الدوائر الفرعية والموظفين ) .. واذا لم يكن يدرك المخاطر المحتملة لقراراته وتأثيراتها للأمد البعيد ، فأعلم أنه يسهم في تسريع وتيرة التدهور لحاضر الوطن ومستقبله .

المرونة في التفكير بأطر مستقبلية معمقة .. ومراجعة النتائج وتحليلها والقبول بامكانية التراجع لتغيير المسار الذي لا ينفع .. والتوجه نحو توفير البيئة الحاضنة وليس البيئة المضطربة غير المستقرة .. من سمات الاداري الناجح ، لأن الأولى تجمع وتوحد الآفاق نحو الأفضل ، والثانية تفرق وتشتت الجهد المشترك .. فتؤدي الى ما هو أسوأ .هناك الكثير من الدول المتقدمة ومنها دول عربية ، نجحت بسبب توفير امكانات غير تقليدية وحوافز كبرى للخبراء والمبدعين والمبتكرين ، فأصبح تطور الدولة مرتبطا بانجازات مبدعيها .. وقد يكون البعض منهم من غير مواطني ذلك البلد … وفي ذات الوقت ، فإن السبب الرئيس لمحدودية التطور في كثير من دول الشرق الأوسط ، يعود الى عدم اهتمام أصحاب القرار فيها بالكفاءات واعتقاد رجال السياسة بأنهم أكثر فهما” واستيعابا” للظروف المحيطة ، ما يعني ان لا أحد أفضل منهم ولا أحد قادر على اقناع صاحب المنصب الأعلى بوجهة نظره .. وبالتالي فمن السهولة إزاحة الخبراء و الكفوئين بقرار يصدر من أعلى أو قانون يشرع بعجالة وبدون أن يأخذ في الحسبان مجمل التأثيرات المستقبلية ، فنكون بذلك قد خسرنا أناسا أنفقت عليهم الدولة أموالا” طائلة .. منذ طفولتهم ولحين نيلهم الشهادات العليا أو لحين نضج عقولهم وسنوات ابداعهم وخدمتهم في مؤسساتها بمواقع وظيفية قد يكون البعض منها في مناصب عليا .. فيأتي محدد العمر لكي يحال الجميع الى التقاعد بسبب العمر ( حينئذ ، نكون قد ساوينا بين الجيد ومحدود القدرات ، بدون تمحيص أو تقييم حقيقي لخبرات لا يمكن تعويضها و لا يزال بإمكانها تقديم العطاء ) .

ونحن في العراق سرعان مانشطب أية خبرة أو كفاءة وندفع بهما لمغادرة حدود الوطن والبحث عن فرص عمل فضلى في دول مجاورة ، ولدينا أمثلة عديدة على طاقات عراقية أذهلت العالم بسبب احتضانها في دول أخرى فتظهر طاقاتهم وتستفيد من امكاناتهم بفضل العطاء الذي لم يلق اهتماما” داخل الوطن .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى