مقالات

الكشف‭ ‬زاد‭ ‬الصورة‭ ‬غموضاً

فاتح‭ ‬عبد‭ ‬السلام

‭ ‬هناك‭ ‬نظريتان‭ ‬في‭ ‬التعامل‭ ‬مع‭ ‬سرقة‭ ‬أموال‭ ‬الدولة،‭ ‬الأولى‭ ‬تستند‭ ‬الى‭ ‬تجارب‭ ‬منها‭ ‬المصرية‭ ‬في‭ ‬التركيز‭ ‬على‭ ‬استرداد‭ ‬الملايين‭ ‬المنهوبة‭ ‬والعفو‭ ‬عن‭ ‬اللصوص‭.‬وهناك‭ ‬نظرية‭ ‬أخرى‭ ‬تقول‭ ‬بضرورة‭ ‬ان‭ ‬ينال‭ ‬السارقون‭ ‬الاحكام‭ ‬القضائية‭ ‬المنصوص‭ ‬عليها‭ ‬قانوناً،‭ ‬وانه‭ ‬لا‭ ‬ينبغي‭ ‬ان‭ ‬ينجو‭ ‬أحد‭ ‬من‭ ‬فعلته،‭ ‬مع‭ ‬اتخاذ‭ ‬الإجراءات‭ ‬في‭ ‬سياق‭ ‬التحقيقات‭ ‬مع‭ ‬لصوص‭ ‬المال‭ ‬العام‭ ‬لاسترداد‭ ‬المسروقات‭.‬الأموال‭ ‬التي‭ ‬سرقت‭ ‬من‭ ‬العراق‭ ‬عبر‭ ‬سنوات‭ ‬عديدة‭ ‬وليس‭ ‬في‭ ‬السنتين‭ ‬الأخيرتين،‭ ‬جعلت‭ ‬من‭ ‬البلد‭ ‬في‭ ‬اعلى‭ ‬مراتب‭ ‬الفساد‭ ‬بين‭ ‬دول‭ ‬العالم،‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬فإنّ‭ ‬استرداد‭ ‬خمسة‭ ‬بالمائة‭ ‬من‭ ‬آخر‭ ‬سرقة‭ ‬مرصودة،‭ ‬وهو‭ ‬منجز‭ ‬يبشر‭ ‬بخير‭ ‬طبعاً،‭ ‬لكنه‭ ‬في‭ ‬الوقت‭ ‬ذاته‭ ‬يوحي‭ ‬بأنَّ‭ ‬ما‭ ‬يقال‭ ‬عن‭ ‬تسوية‭ ‬معينة‭ ‬لمّح‭ ‬اليها‭ ‬رئيس‭ ‬الحكومة‭ ‬في‭ ‬مؤتمره‭ ‬الصحفي،‭ ‬قد‭ ‬لا‭ ‬تكون‭ ‬متناسبة‭ ‬مع‭ ‬جسامة‭ ‬الضرر‭ ‬الذي‭ ‬لحق‭ ‬بالعراق‭.‬انّ‭ ‬اللص‭ ‬الماثل‭ ‬بحسب‭ ‬الصور‭ ‬المسربة‭ ‬وراء‭ ‬القضبان،‭ ‬والذي‭ ‬يبدو‭ ‬انه‭ ‬بات‭ ‬يحمل‭ ‬صفة‭ ‬مبتدعة‭ ‬هي‭ ‬متهم‭ ‬تحت‭ ‬التسوية‭ ‬والامل‭ ‬الشرعي‭ ‬بالإفراج‭ ‬عنه،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬حالة‭ ‬منعزلة‭ ‬وفردية،‭ ‬وانما‭ ‬هو‭ ‬السمكة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مطمئنة‭ ‬في‭ ‬السباحة‭ ‬في‭ ‬بحيرة‭ ‬فساد‭ ‬محصنة‭ ‬ضد‭ ‬جميع‭ ‬أسباب‭ ‬الملاحقة‭. ‬وهذا‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬ان‭ ‬يكون‭ ‬وحده،‭ ‬ولكن‭ ‬الأهم‭ ‬هو‭ ‬مَن‭ ‬هي‭ ‬الجهة‭ ‬الكبيرة‭ ‬التي‭ ‬تقف‭ ‬وراءه‭ ‬وقد‭ ‬استخفت‭ ‬بالدولة‭ ‬الى‭ ‬درجة‭ ‬يخجل‭ ‬منها‭ ‬كلّ‭ ‬شيء‭ ‬حي‭ ‬او‭ ‬جامد،‭ ‬يحمل‭ ‬اسم‭ ‬العراق‭

.‬‭ ‬لن‭ ‬تكون‭ ‬الصورة‭ ‬واضحة،‭ ‬بل‭ ‬ستزيد‭ ‬المشهد‭ ‬غموضاً‭ ‬وتعقيداً،‭ ‬حين‭ ‬يتم‭ ‬الكشف‭ ‬عن‭ ‬مجرد‭ ‬منخار‭ ‬واحد‭ ‬من‭ ‬أنف‭ ‬أو‭ ‬جزء‭ ‬من‭ ‬أذن‭ ‬أو‭ ‬ظُفر‭ ‬من‭ ‬أصبع‭ ‬في‭ ‬قدم‭ ‬أو‭ ‬شعرات‭ ‬معدودات‭ ‬من‭ ‬ذقن‭ ‬أو‭ ‬عانة‭ ‬أو‭ ‬نعلجة‭ ‬في‭ ‬بسطال،‭ ‬واعتبار‭ ‬ذلك‭ ‬هو‭ ‬جوهر‭ ‬الصورة‭ ‬وأساسها‭.‬

بلا‭ ‬شك‭ ‬انّ‭ ‬هناك‭ ‬جهوداً‭ ‬معلنة‭ ‬تبذل‭ ‬لملاحقة‭ ‬صفقات‭ ‬فساد،‭ ‬لكن‭ ‬الذي‭ ‬يُخشى‭ ‬منه‭ ‬ان‭ ‬تكون‭ ‬بعض‭ ‬الملاحقات‭ ‬ردّ‭ ‬فعل‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬تصفيات‭ ‬ذات‭ ‬بعد‭ ‬انتقائي‭ ‬سياسي،‭ ‬ذلك‭ ‬انّ‭ ‬العراقيين‭ ‬لديهم‭ ‬قناعات‭ ‬راسخة‭ ‬في‭ ‬انَّ‭ ‬كبار‭ ‬اللصوص‭ ‬لايزالون‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬السياسي‭ ‬أو‭ ‬حواليه‭ ‬أو‭ ‬في‭ ‬دهاليزه،‭ ‬وانَّ‭ ‬على‭ ‬الأجهزة‭ ‬المختصة‭ ‬ان‭ ‬تعتبر‭ ‬قناعة‭ ‬الملايين‭ ‬الاربعين‭ ‬بمثابة‭ ‬بلاغ‭ ‬الى‭ ‬النائب‭ ‬العام‭ ‬من‭ ‬اجل‭ ‬فتح‭ ‬باب‭ ‬التحقيقات‭ ‬مع‭ ‬حيتان‭ ‬الفساد‭ ‬المُحصنين‭ ‬بالعُرف‭ ‬والتوافق‭ ‬والانتماء‭ ‬والموالاة‭ ‬والصُدف‭ ‬الدولية‭ ‬السعيدة‭.‬‭ ‬أمّا‭ ‬إذا‭ ‬جرى‭ ‬تجاهل‭ ‬قناعات‭ ‬الملايين‭ ‬وعدّها‭ ‬رجماً‭ ‬بالغيب،‭ ‬وتنفسياً‭ ‬عن‭ ‬أحقاد،‭ ‬ورمياً‭ ‬للمُحصنين‮»‬‭ ‬عقائديا‮»‬‭ ‬فتلك‭ ‬ستكون‭ ‬بداية‭ ‬لمرحلة‭ ‬سيئة،‭ ‬لعل‭ ‬ظهور‭ ‬نتائجها‭ ‬في‭ ‬الشارع‭ ‬أسرع‭ ‬مما‭ ‬يعتقد‭ ‬أيّ‭ ‬مراقب‭.‬

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى