مقالات

تولستوي وعاشوراء السياسيين

نوزاد حسن

في يوم ما حمل تولستوي كيسا على ظهره, وارتدى معطفا باليا وهرب من حياته. ترك تولستوي كل شيء خلف ظهره, وغادر حياة الثراء والعبيد والشهرة. ومضى وحيدا حيث مات في محطة قطار. ماذا حصل لتولستوي؟ هل فقد عقله في آخر عمره، ليهجر عالمه المريح؟ هل تعب من حياته كثري وفضل ان يمثل دور التائب من كل ذنوبه؟ هذان السؤالان مشروعان, والاجابة عنهما تكمن في ثلاث كلمات فقط: لقد تغير تولستوي. أظن أن هذا مدخل جيد جدا لطرح سؤال حاد كسكين, والسؤال هو: كم مسؤولا تغير, وهجر اغراء المنصب وحارب الفساد, واحس بأنه التقط جوهر ثورة الحسين عليه السلام بالمعنى الحقيقي للكلمة؟. انا في حقيقة الامر ابحث عن ذلك التغيير الذي يقلب كيان الانسان رأسا على عقب، فيهون في عينيه كل شيء. انني اتساءل في كل عام, وانا أشاهد هذا المسؤول او ذاك يمارس طقس العزاء الحسيني بحركات ميكانيكية مثل دمية منى دون أن تبدو على ملامحه أثر فجيعة لم يشهد لها التاريخ مثيلا. وبعد ان ينتهي مجلس العزاء يعود كل شيء الى وضعه.تعود السياسة وعالمها وصراعاتها التي تشغل السياسيين طوال العام من دون ان يشعروا بتعب او ملل. يتصرف السياسيون مع شهر محرم الحرام, واستشهاد الحسين عليه السلام بطريقة منضبطة جدا. فهم يسيطرون على مشاعرهم سيطرة واضحة. وهم سياسيون حتى في مشاعرهم الدينية، التي لا تفيض كما يحدث في لحظة انفعال الانسان وهو يقف في جلال موقف من المواقف. الامور محسوبة جيدا وهذه كما اظن نقطة تحسب للسياسي، الذي يعرف كيف يسيطر على نفسه في اكثر المناسبات حزنا والما. انه لا يضعف ابدا. يجلس بثبات واضح, ويده تضرب جهة القلب بهدوء في حركات متكررة وهادئة. ان السياسة في نهاية الامر فن آخر وطقس لا يحتمل اي تنازل او مهادنة. أظن أن تولستوي سيكون أبله في اعتقاد سياسيي زماننا الاقوياء. فهل من المعقول ان يترك الانسان ثروته وجاهه ليموت في محطة قطار؟. ومن المؤسف ان تنغلق العملية السياسية على نفسها الى هذه الدرجة من التعقيد، بحيث فقد الناس الامل في اي تغيير حقيقي.ولعل ما يحزنني هو ذلك اليقين ان الامتيازات والمصالح الشخصية، تصبح عند الكثيرين هدفا له طبيعة مقدسة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى