مقالات

جرائم الفساد.. أحكام قضائية بلا اجتهاد

رغم تقدم حكومة إقليم كوردستان على الحكومة الاتحادية في تشريع قانون شفافية الاطلاع على المعلومات، الا ان الكثير من المهتمين بقضايا مكافحة الفساد يقعون في مطب البيانات التي تصدر عن هيئة النزاهة الاتحادية لتفسير واقع العقاب في القضايا الجزائية.

وأبرز مثال على ذلك التضارب بين الحكم على جريمة اختلاس قامت بها موظفة في امانة بغداد بالسجن المؤبد مقابل غرامة وسجن مع إيقاف التنفيذ في مخالفة إدارية قام بها فريق عمل وزارة الكهرباء شملت الوزير الأسبق السيد لؤي الخطيب.. كيف يحصل ذلك؟

أولا، ليس من مهام هيئة النزاهة اتحادية كانت ام ضمن صلاحيات الإقليم، اصدار الاحكام القضائية في جرائم الفساد، بل تتقيد بنص قانونها الذي حصر مهماتها التحقيق في جرائم الفساد الموصوفة في هذا القانون، ومنحت حق النقض والتمييز لأحكام القضاء في حالة وجدت ان درجة الحكم لا تتماهى مع نوع الجريمة، ويحصل هذا التضارب من خلال تحديد المادة القانونية في قانون العقوبات العراقي باجتهاد قاضي التحقيق أولا ثم قاضي الجنايات في اصدار الحكم الاولي، ومن بعده محكمة التمييز لكي يتخذ قرار الحكم الدرجة القطعية. في هذا السياق ما زال القضاء العراقي بعيدا عن الالتزام بما ورد في الدليل القضائي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، مادام المشرع العراقي لم يضمن قانون هيئة النزاهة الاتحادية نصا صريحا لاتخاذ العقوبة الاقصى المشددة في جرائم الفساد لاسيما تلك التي ما زال القانون العراقي يصفها بالمخالفة الإدارية التي يقع بسببها الضرر على المال العام، وهذا مبحث قضائي موسع يحتاج الى اجتهاد القاضي وفقا لفقه الالتزام بما التزم به العراق امام الأمم المتحدة في اتفاقية مكافحة الفساد، فيما يستطيع أي محامي الترافع امام المحاكم العراقية بعيدا عن الشروط المشددة والطلب بتخفيف الاحكام ضد مرتكبي المخالفة الإدارية ذات الأثر بالضرر المالي لاسيما اذا كان المتهم قد سلم نفسه للقضاء وخرج بكفالة مالية كما حصل في قضية وزارة الكهرباء التي اثار قرار الحكم فيها ضجة إعلامية واسعة، بسبب عدم فهم ان المخالفة الإدارية لا تجرم مثل جريمة الاختلاس، فيما واقع الحال في الأثر المالي ربما تكون المخالفة الإدارية اكثر ضررا من جريمة الاختلاس التي قامت بها موظفة امانة بغداد، التي تم القبض عليها وهي تحاول الهرب من لبنان الى تركيا بجواز سفر مزور، الامر الذي يعد في متون القضاء العراقي ظرفا مشددا انتهى الى صدور قرار الحكم بالسجن المؤبد . ما الحل؟ ببساطة، الحل يكمن في إعادة تشريع قانون هيئة النزاهة، واضافة نصين واضحين، الأول ان يسترشد القضاء بنصوص اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لاسيما في أمور تتعلق بالفساد السياسي والإداري والمالي، والنص الثاني ان يكون الحكم متناسبا مع الأثر المالي حتى وان كان ملف القضية المحالة للقضاء تحت بند “مخالفة إدارية”، وكلا الامرين يتطلب تدخلا تشريعيا، فلا حكم قضائي بلا نص، وتحديد الظرف المخفف او المشدد، مثال ذلك ان تكون المخالفة من قبل موظف درجة خاصة، تشدد فيها العقوبة او موظف اداري فحسب تخفف عليه العقوبة، وكلا الامرين يخضع لاجتهاد الذوات أعضاء مجلس النواب الاتحادي، وحينما يتجاوز المشرع العراقي هذه الفجوة بتشريع قانون الحق بالاطلاع على المعلومات الرسمية في الإحالة الى القضاء، يكون امام وسائل الاعلام لاسيما الصحافة الاستقصائية الفاعلة في ميدان مكافحة الفساد المجال واسعا للاطلاع على تفاصيل الإحالة وتحديد المادة القانونية التي يحاكم بها المتهم في جرائم الفساد كما هو حال الالتزام الذي تميزت به هيئة النزاهة في إقليم كوردستان.. يبقى من القول لله في خلقه شؤون! .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى