مقالات

كورونا يُعيد النظر في ألف باء الطهارة المائية

د. نضير الخزرجي

منذ أن أعلنت الصين اكتشاف فيروس كورونا (كوفيد 19) (COVED 19 – Coronavirus) المميت انطلاقا من مدينة ووهان نهاية كانون الأول ديسمبر 2019م، وحتى اليوم، فإن حال الكرة الأرضية انقلب عاليها سافلها، وحل الفيروس كل بقاع الأرض، ولم تسلم أمَّة منه، وهو فيروس حصد أرواح عشرات الآلاف وهو في أول انتشاره، وصار البيت أحلاس الناس، فالدوائر معطلة والمعامل أغلقت أبوابها، وكبست دور العبادة على أقفالها، والمدارس والكليات صار التدريس فيها عبر شبكات التواصل الإجتماعي (النت)، والنوادي الرياضية والحانات والمقاهي ودور السينما والمسرح ودور البغاء كلها أخلدت إلى الراحة وأراحت الكثير من النفوس القلقة، ولم يعد حديث الناس سوى حديث الكورونا والحجر الصحي الطوعي والقسري.

وانقلبت عادات السلام والتحية رأسا على عقب، فما عادت الوجنات الخشنة والرقيقة تستقبل أفواه الرجال ولمى النساء، ولا الأكف تتشابك بالأكف، ولا الأنوف تلامس الأنوف، ولا الصدور تضم إليها الصدور، وما عاد الحلاق يلامس من الناس الشعور، ولا الحفافة تكشط من الوجه القشور، ولا الخاطبة تكشف من الغواني النحور، وأطفأت صالات الأفراح أنوارها وتركت خلفها الحبور، وغلٌّقت قاعات الفواتح والترحيم أبوابها تاركة غصة في الصدور، وما عاد الفقيد يُرفع على الأكتاف وندر خلف جنازته الحضور، وصار الناس أخوف على أنفسهم من نقل الميت الى القبور، وامتنع البعض عن دفن المغدور بالكورونا في مقابر قريبة عن الدور، وصارت المشافي كلها طوارئ تستقبل المصابين، واكتظت مكاتب الموتى بالجثامين، وحتى الذي أصابته الجائحة عزّت عليه النائحة، ومن نجا من الغائلة زُفَّ إلى بيته كما تزف العروس إلى عشِّ الزوجية.

إذا نام الواحد منّا لا يأمن على نفسه إذا أصبح، وإذا أمسى صعقه خبر رحيل قريب أو صديق، فيظل يتحسس الكورونا وهو على وسادته، لا يدري متى يأتي إليه قدره أو يحل في ناديه أجله، وكنا قرأنا من قبل أن الطاعون حلّ بالبلد الفلاني والبلد العلاني، وكان الواحد منهم يخرج من بيته لابسا كفنه لا يدري أيرجع أم يصطاده سهم المنون، وعند ذاك هو وحظه من عالم القبر أيُدفن أم يظل على قارعة الطريق تنهش في جسده ذؤبان البيداء وغربان السماء

وإذا كان هذا الوجه المظلم من الكورونا، وهو قليل مما ذكرت من تداعياته وآثاره الصحية والبدنية ناهيك على انهيار الحالة الإقتصادية وتضرر أصحاب الدخل المحدود والأجرة اليومية، فإن الوجه الآخر منه فيه الأمل حيث أعاد للناس أهمية الطهارة المائية الذي جعل الله من الماء كل شيء حي، فكما يطفئ الماء أوار النيران وجمر الحطب فإنه يدفع عن البدن آثار الكورونا وحرِّ النصب، ففي الغُسْل دفعا للفيروس إن أراد أبدان البشر وفي الشرب رفعا له إن أكمن في الفم وما حشر، وعاد كثير من الناس شبابا وشيبة يتعلمون أبجدية الغسل كالطفل في مدرسة الوالدين يعلمونه غسل اليدين بعد الإستنجاء والإستبراء والعودة من ساحات اللعب وقبل تناول الغذاء، عودة جديدة إلى ألف باء الطهارة المائية، حتى لقد اطلعت على برنامج ألماني توضح فيه معدته وعلى الهواء وبالوسائل الإيضاحية العلاقة بين المرض والإستنجاء والفرق بين الأدوات المستعملة في الغرب والشرق، وانتهت الى القول بحضور خبراء صحة أن الأجداد كانوا يتطهرون بحشائش النباتات والأعشاب، ثم تطور الى الورق الصحي الذي لا يخلو استعماله من نقل الميكروبات والفيروسات، وانتهت الى صريح القول بأن الطهارة المائية التي جاء بها الإسلام هي أفضل طهارة حيث لا يترك الماء أثرا سيئا كما تتركه الأوراق الصحية في المناطق الحساسة وبخاصة لدى النساء.

هذه الحقيقة التي جاءت على لسان برنامج ألماني عن الصحة وبرامج أخرى أميركية وأوروبية دفعت بالبعض إلى استبدال مقعد المرحاض بآخر ذي شطاف ذاتي أو مصاحب له، يؤكدها الفقيه آية الله الشيخ محمد صادق الكرباسي في كتيب “شريعة الغُسْل” الصادر نهاية العام 2019م عن بيت العلم للنابهين في 72 صفحة، والمتضمنة 139 مسألة شرعية وسبع عشرة تعليقة للفقيه آية الله الشيخ حسن رضا الغديري، مع مقدمة للناشر ومثلها للمعلق، أعقبهما الكرباسي بتمهيد مستفيض.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى