slideمقالات

متى ينتهي الفساد في العراق ؟

أصدر السيد عادل عبد المهدي رئيس مجلس الوزراء أمراً بتشكيل المجلس الأعلى لمكافحة الفساد في العراق ، وهو اضافة جديدة لهيئة النزاهة وديوان الرقابة المالية والمفتشين العموميين في الوزارات . ويأتي هذا الامر بعد ان اصدرت منظمة الشفافية الدولية مؤشر مدركات الفساد لعام 2018 وحلت الدانمارك في المركز الاول كأقل الدول فسادا . وجاء العراق بالمرتبة168 على مستوى العالم . وهذا يؤشر الاخطار التي تواجه الديموقراطية في العالم , على وفق تصريح المنظمة المذكورة

لم يشهد العراق فسادا على هذه الدرجة المهينة منذ نشوء الدولة العراقية الحديثة قبل مايقرب من مائة عام الى يومنا الحاضر , وبات يهدد امن المجتمع والمواطن ومستقبل العراق كدولة موحدة , وكل المحاولات الحكومية للقضاء عليه ماهي الا شكليات لذر الرماد في العيون وخطوات غير جادة . ولعل صعوبة التخلص منه تعود الى ان الفساد يبدأ من الاعلى الى الاسفل بمعنى ان من بيده النفوذ والسلطة هو الفاسد وهوالحامي للفاسدين . ونقصد بالسلطة هنا ليست السلطة الرسمية فقط وانما السلطة الخفية ايضا . . ففي مواجهة الدولة الرسمية الظاهرة للعيان هناك الدولة العميقة التي تعمل في الظل والخفاء وبيدها كل محركات الدولة الرسمية من رئاسة الجمهورية الى مجلس الوزراء والبرلمان . ولديها محطات فضائية تروج لها وميليشيات مسلحة تحميها . ونحن نعلم ان من بيده السلاح هو صاحب القرار النهائي في فرض قواعد اللعبة . والدولة العميقة هذه تتشكل من مصالح متشابكة لافراد واحزاب وكتل يجمعهم هدف واحد وهو الحفاظ على مصالحهم وامتيازاتهم داخل الدولة الرسمية والمجتمع , والقاسم المشترك بينهم هو حماية بعضهم بعضا من خلال اسكات الاصوات المعارضة لهم اما بالمال او بالتهديد وان لم ينفع فبالتصفية الجسدية حتى يضمنوا بقاء نفوذهم وسطوتهم . وهم بذلك اشبه بالمافيات المنتشرة في العالم بل هي اوسع واعظم تاثيرا ونفوذا وخطرا على الدولة الرسمية والموظفين العموميين وحتى القضاة ورجال الامن , وبالتالي يعم ضررها على المواطن والمجتمع كله . انها تنظيمات عنكبوتية غير مرئية تسيطر على كل مفاصل الدولة وتجعلها عاجزة عن اصلاح نفسها , او السير خطوة واحدة في اعادة السيادة الى بلد كان سباقا في التطور والازدهار في المنطقة . او تقديم الخدمات الاساسية للمواطن حتى دبت الفوضى في كل مفاصل المجتمع والدولة فاصبحت المنافذ الحدودية بيد الاحزاب الحاكمة . وتم تهريب النفط وخصوصا في البصرة وكركوك وصلاح الدين ودهوك . وانتشرت الرشوة والمخدرات ونوادي القمار التي تدار من قبل بعض الاحزاب التي تصنف نفسها بالاسلامية ووزعت موازنات الدولة على منتسبي الاحزاب الحاكمة تحت عناوين رفحة او السجناء السياسيين او رواتب ومكافآت الاستشاريين والحمايات الخاصة والعامة او ما اصطلح عليه بالموظفين او العسكريين الفضائيين وغيرها . وتم بيع وشراء الوزارات والمناصب الحكومية . وتقاسم الوقفين الشيعي والسني اموال الاوقاف واستخدماها في تنفيذ اجندات الاحزاب والكتل المتنفذة المسيطرة عليهما . وكذلك مجالس المحافظات والمحافظين حيث تقاسموا الاموال المخصصة للخدمات العامة

يعزو بعض الكتاب نشوء الدولة العميقة في العراق الى
سلوك الاحزاب التي جاءت مع الاحتلال الامريكي وهي
تضم اذرع عسكرية استطاعت النفاذ الى كل مفاصل الدولة
وسيطرت عليها . ولكننا نرى ان بداية نشوء الدولة العميقة الفاعلة في العراق وما رافقها من فساد وضياع الاموال العامة كانت خلال الولايتين الاولى والثانية لرئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي . الذي حاول فيها تسييس القضاء , وتمكن من ربط الهيئات المستقلة برئيس الوزراء على خلاف ماجاء بنص الدستور , وخصوصا هيئة الاعلام والنزاهة والاستثمار وامانة بغداد وقد سخرها في خدمته كشخص يطمح للاستفراد بالحكم كما قاد وزارتي الدفاع والداخلية مباشرة . وهيمن على المفوضية المستقلة للانتخابات التي ساعدته في الحصول على الولاية الثانية , فمكنته من احكام السيطرة هو وازلامه على كل مفاصل الدولة , كما وزع مناصب الخط الثاني من المدراء العامين ووكلاء الوزارات والمستشارين الى حلفائه في حزب الدعوة والتحالف الوطني . وقام بتوزيع اموال الدولة على بعض النواب ورؤساء الكتل من خارج التحالف الوطني وخصوصا اتحاد القوى ليضمن ولائهم مثل وزير الدفاع الاسبق وبعض شيوخ العشائر من الصحوات وبعض نواب الكتل المنافسة من مختلف الطوائف والقوميات . ولذلك نرى ان اكثر من ستمائة مليار دولار من ميزانيات الدولة خلال فترة حكمه قد اختفت ولم نشهد اية حسابات ختامية تبين اوجه صرفها . كما انتشرت في وقته الكومشيونات لكل العقود الداخلية والخارجية . اضافة الى المشاريع الوهمية والسيطرة على اموال بعض البنوك تحت ذريعة بناء المدارس ولم نشهد اية مدرسة او مركز صحي قد بني في عهده . اما الكهرباء فحدث ولاحرج فاغلب الاموال التي رصدت لها ذهبت في جيوب المحسوبين عليه وكذلك الصحة وعقود وزارة الدفاع اللوجستية وصفقات الاسلحة المختلفة والطائرات والمركبات وغيرها . وانتشر الفساد في اوساط بعض قادة القوات المسلحة ايضا . وقد نشر الاستاذ كاظم حبيب شكوى ضد نوري كامل المالكي رئيس الوزراء الاسبق بتاريخ 24/10/2018 . جاء فيها انه تسبب اثناء وجوده على رأس السلطة بكوارث هائلة حلت بالشعب العراقي , كما وقعت مساحات واسعة من الاراضي العراقية ومدن كثيرة ومحافظات تحت احتلال وهيمنة قوات ارهابية مجرمة , عصابات داعش الدموية التكفيرية . . . وسيادة الفساد على كل مفاصل الدولة , والتفريط بعشرات المليارات من الدولارات الامريكية . . . وبروز مشاريع وهمية كلفت الدولة مليارات الدولارات . كما قدم القاضي السيد رحيم العكيلي الذي كان رئيسا لهيئة النزاهة شكوى الى الادعاء العام العراقي للتحقيق في التهم الموجهة للسيد نوري المالكي وتقديمه للمحاكمة
ومن ذلك يتضح ان رئيس الوزراء الاسبق نوري المالكي هو من اسس للدولة العميقة اثناء تواجده على رأس السلطة الرسمية , وبعد ازاحته منها تفرغ لرئاسة الدولة العميقة التي عطلت كل المشاريع الاصلاحية للدولة , وفق اجندة معدة سلفا . وفرض نفسه ليكون نائبا لرئيس الجمهورية حتى تكون له صفة رسمية تمنع اتخاذ اي اجراء قانوني بحقه او بحق اقرباءه او حاشيته . وتم تشريع قانون يتيح للفاسدين وسارقي اموال الدولة من الافلات من العقاب بدفع مبلغ من المال على اعتبار انه استرجع الاموال المنهوبة وهكذا تم شرعنة الفساد وقد خرج وزير التجارة السابق من السجن رغم الحكم عليه على وفق هذا التشريع , كما خرج آخرون محكومين بقضايا فساد اخرى

يسيطر على الدولة العميقة رؤساء بعض الكتل السياسية والمتنفذين الكبار من مختلف الطوائف والقوميات . وهم يحكمون في الظل تحت لافتة الديموقراطية للدولة الرسمية ويصرحون برغبتهم في مكافحة الفساد والقضاء على المحاصصة وهم اسياد المحاصصة التي ضمنت لجميع الفاسدين مكانتهم في الدولة الرسمية وهم بذلك يديمون الزخم للدولة العميقة ومن ورائها الفساد الممول لها وبحماية الميليشيات المسلحة
ان التاثير الخارجي على الدولة العميقة له تأثير فاعل في تنصيب الوزراء وصناعة الاحداث . كما سيطرت بعض الاحزاب والكتل على دوائر الجنسية والجوازات والاقامة وتحول كبار الموظفين فيها الى اصحاب اموال طائلة من خلال ابتزاز المواطنين . وكذلك بيع وشراء التعيينات في الدوائر والمؤسسات الحكومية كافة . وان كثير من صفقات الدولة الداخلية والخارجية تتم من قبل اللجان الاقتصادية للاحزاب المتنفذة ورؤسائها وان حوالي اربعة الاف مدير عام ووكيل وزارة ومستشار في دوائر الدولة قد تم تعيينهم من قبل الاحزاب دون ان يمرروا على مجلس النواب . وهؤلاء من يسهل اعمال الدولة العميقة ويفرض قراراتها على الدولة الرسمية
ان للفساد السياسي والاداري علاقة وثيقة وجدلية بالدولة العميقة , بعنى ان احدهما يمول الاخر اويدافع عنه في مواجهة اي خطر يحدق باحدهما وقد يستخدمون الدولة الرسمية لشرعنة وادامة زخم الفساد والابقاء عليه واحيانا كثيرة يستخدمون الميليشيات التابعة للدولة العميقة لارهاب من يتصدى للفساد ومؤسساته وافراده لانه الاساس الذي يمول الدولة العميقة . كما تم تعطيل الرقابة في مجلس النواب واصبح الاستجواب شكليا وقد تم استبعاد كثير من الفاسدين من الحضور الى مجلس النواب . اضافة الى جعل الرقابة المالية شكلية . وتعطلت هيئة النزاهة , وخضع مفتشي الوزارات الى سلطة الوزير ففقدوا فاعليتهم وانتفت الحاجة اليهم
ان الفساد السياسي والاداري ورديفه الدولة العميقة قد عطل كثير من لجان التحقيق . كما تم وضع ملفات التحقيق في جريمة سبايكر ونتائج التحقيق في جريمة احتلال الموصل من قبل الدواعش المجرمين في الرفوف العالية دون ان يسأل احدا عليها لا من الادعاء العام ولا من اي مسؤول اخر . وهذا ينطبق على كل القضايا التي تم التحقيق فيها . حتى اصبحنا نشهد لجانا تحقيقية دون ان نطلع على اي نتيجة من نتائج التحقيق في كل قضايا امن الدولة والمواطنين . ولم تسلم البطاقة التموينية ولارواتب الرعاية الاجتماعية من الفساد المستشري , كما تم الاستيلاء على الاموال المخصصة للنازحين والمهجرين من قبل اشخاص محسوبين عليهم
واخيرا وليس اخرا التصفية الجسدية لكل معارض او ناطق بكلمة حق او اديب لتكميم الافواه وارهاب المواطن
وهكذا شاع الارهاب والترهيب , والفقر والتخلف والجهل والجوع والمرض والبطالة وانعدام الصناعة والزراعة في كل ربوع العراق الذي كان يكنى بارض السواد والخير والعطاء فاصبح يعيش في اكبر كارثة انسانية في العصر الحديث

فلا عادل عبد المهدي , ولا مجلس الفساد ولا اي حزب او كتلة سياسية مشاركة في هذا الحكم قادر على ازاحة الفاسدين ومن وراءهم الدولة العميقة التي تتاجر بكل موارد العراق من النفط الى ملح الارض , حتى اصبح كل شئ تحت وصايتها . ومازالت مافيات الدولة والمتنفذين فيها رغم كل فسادهم وجرائمهم يتحدثون بصوت عال , ويهددون كل من يقف في طريقهم , ولديهم محطات فضائية ممولة من عرق جبين الشعب المسكين المغلوب على امره وعندهم جنود الكترونيون مأجورين او مغرر بهم ينشرون دعاياتهم وضلالهم وتجرؤهم على الشعب المتظاهر الذي يطالب باقل من حقه ويتهمونهم بالارهاب تارة وبالموالاة للنظام السابق تارة اخرى
فهل علمت عزيزي القارئ لماذا لايتمكن احد من اصلاح العملية السياسية الفاسدة من اساسها او تعيين وزير تكنوقراطي من خارج الاحزاب والكتل , او فرض سلطة الدولة ومؤسساتها الامنية الرسمية على الارض العراقية , او فرض سيادة الدولة على الجميع . لان الدولة الرسمية , كل الدولة من وزيرها الى اصغر عامل فيها اسيرة للدولة العميقة هذه . . ومتى ماسمعت ان احدا من قادة الميليشيات او الاحزاب او الكتل الحاكمة , او عتاوي الفساد قد احيل للقضاء , او الى اي محكمة خاصة او عامة . فعندئذ فقط تستطيع القول بان العملية السياسية يمكن اصلاحها , وان الفساد سينتهي , وان الدولة ستسير في مسارها الصحيح , وان الشعب سوف يتنفس الصعداء من ظلم وجور المافيات والاحزاب التي تعيث فسادا بالبلاد والعباد . وحتى الحجر ضاق ذرعا بهم . وليس هناك من رجل رشيد يوقف هذه التراجيديا الملهاة التي اسمها العراق الجديد
ادهم ابراهيم

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى