مقالات

مصطفى الكاظمي والدولة العميقة

كاظم حبيب

كان السيد مصطفى الكاظمي ضمن قوى المعارضة العراقية ضد نظام صدام حسين، وساهم في مجال الإعلام على نشر مجموعة من الفيديوهات التي تشتمل على شهادات مباشرة ضد نظام البعث الدموي. كانت له في فترة المعارضة علاقات طيبة مع القوى الديمقراطية ولم ينتم لأي من أحزاب المعارضة وضمن المستقلين. عين رئيساً لجهاز المخابرات العراقية في فتر حكم حيدر العبادي. وهو في هذا المنصب منذ حزران/يونيو 2016. وبحكم وجوده قرابة خمس سنوات على رأس هذا الجهاز منحته الفرصة الكاملة في معرفة مجموعة كبيرة من المعلومات التفصيلية والأساسية المباشرة والملفات الشخصية والعامة التي تمس أمن العراق الداخلي والخارجي في آن واحد، وكذلك فهم والتعامل مع العلاقة العضوية التي تربط بين تهديدات الأمن الداخلي وتلك الخارجية لأمن الوطن والمواطنات والمواطنين. وهذه الميزة لم يكن يملكها رئيس وزراء عراقي قبله سوى نوري المالكي الذي كان عملياً يقود الجهازين (المخابرات والأمن الوطني، إضافة إلى أجهزته الأخرى!) في آن واحد من خلال أتباع مباشرين له، كما من خلال وجود مستشارين إيرانيين لديه يشرفون بشكل مباشر وغير مباشر على الجهازين.

جاء في الدستور العراقي لعام 2005 بشأن جهاز المخابرات الوطني العراقي ما يلي:

“المادة (9)، أولاً، الفقرة دـ يقوم جهاز المخابرات الوطني العراقي بجمع المعلومات وتقويم التهديدات الموجهة للأمن الوطني وتقديم المشورة للحكومة العراقية. ويكون تحت السيطرة المدنية ويخضع لرقابة السلطة التشريعية ويعمل وفقا للقانون وبموجب مبادئ حقوق الانسان المعترف بها.” ونصت المادة 84 من الدستور أن ينظم قانون خاص واجبات وصلاحيات هذا الجهاز. (الدستور العراقي لسنة 2005). كما أنه حمل درجة وزير وفق الدستور. تحددت صلاحيات جهاز المخابرات الوطني العراقي بالمهمات التالية: مكافحة التجسس، الأمن القومي العراقي، الإرهاب والتمرد، إنتاج أسلحة الدمار الشامل، إنتاج المخدرات والاتجار بها، الجريمة المنظمة الخطرة، حماية الاثار والموارد الطبيعية من التهريب والتخريب. والآن كلف مصطفى الكاظمي برئاسة الوزراء بعد عدة شهور من المماطلة والتسويف والسعي لضمان شخص يستجيب لإرادة الأحزاب الإسلامية السياسية من البيت الشيعي والتي تعبر بدورها عن إرادة إيران ومصالحها في العراق، إضافة إلى وجودها الأمني والعسكري والاقتصادي والاجتماعي، دع عنك السياسي.

قبل أن يكلف الكاظمي برئاسة الوزراء من قبل رئيس الجمهورية برهم صالح، قام إسماعيل قاآني، رئيس فيلق القدس وخليفة قاسم سليماني والمسؤول المباشر عن الملف العراقي في القيادة الإيرانية المدنية والعسكرية، بزيارة بغداد والتقى بالحبايب كلهم، بمن فيهم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وقادة الميليشيات المسلحة في الحشد الشعبي، كما التقى بمسؤول المخابرات الوطني مصطفى الكاظمي، الذي لا ينتمي إلى أي حزب سياسي حتى الآن، كما هو معروف عنه، إذ كان قاآني يريد أن يطمئن لموقف الجميع وموقف الكاظمي من إيران والولايات المتحدة إن كُلف برئاسة الوزراء. وبعد مغادرة قاآني العراق مباشرة كلف الكاظمي برئاسة الوزراء، ولم يعلن عما جرى في تلك اللقاءات، ولكن التخمين حول مطالب إيران مسالة ممكنة في واقع العراق الراهن وأوضاع إيران فائقة التعقيد.

استمعنا إلى كلمة الكاظمي، وهي لا تختلف عن كلمة علاوي أو الزرفي، وفيها وعود والتزامات كثيرة، بعضها يلتقي مع مطالب الشارع العراقي، وبعضها الآخر يقترب من قوى الإسلام السياسي، ولهذا فإن العبرة ليست في التصريحات والخطب، بل بما يمكن أن يؤديه الكاظمي خلال فترة رئاسته المؤقتة. فالمعلومات التي لديه تؤشر له بجلاء من هم جواسيس الدول المجاورة ومن هم المخربون، ومن هم قتلة المتظاهرين الوطنيين، ومن هم المشاركون الكبار في الفساد المالي وتبييض الأموال وتهريبها، باعتباره جزءاً من تخريب الاقتصاد والمجتمع، وكذلك من هم المتعاملون في عمليات التهريب، سواء أكانت الآثار العراقية أم المخدرات أم العملات النادرة أم أعضاء الإنسان، لاسيما من بنات وأبناء العائلات الفقيرة، وله الكثير من المعلومات الأخرى عن أدوار الوزراء وعلاقاتهم، وعن دور الميليشيات الطائفية المسلحة ومكاتبها الاقتصادية في كل ذلك وغيره. فهل يا ترى سيعمل الكاظمي ضمن برنامجه الحكومي المؤقت على بعضٍ مهم ورئيسيٍ من هذه الملفات العالقة والمكدسة في المخابرات والقضاء العراقي وفي هيئة النزاهة …الخ، إضافة إلى العمل من أجل أجراء تعديل جديد في قانون الانتخابات على وفق إرادة المنتفضين وليس إرادة من أراد لهذا القانون أن يبقى يعمل في صالح الطغمة الحاكمة حتى بعد التعديل الجزئي، وكذلك تغيير أو تحسين طاقم مفوضية الانتخابات بما يرضي قوى الانتفاضة الشعبية من أجل إجراء انتخابات نظيفة بعيدة عن أموال السحت الحرام التي توزع لشراء أصوات الناخبين أو التزوير الذي عرفناه في السنوات السابقة لضمان “أخذناها بعد ما ننطيها” السيئة الصيت وصاحبها الأسوأ!! كيف ستشكل الوزارة وكيف سيبدأ عمله وكيف سينفذ الفقرات الأساسية من البرنامج المكثف المطلوب من جانب قوى الانتفاضة لحماية المجتمع من وباء كورونا ومن الأوبئة الأخرى كالطائفية والفساد والمحسوبية والمحاصصة اللعينة التي فرضت حتى على جهاز المخابرات الوطني، وكيف سيسهم في التخفيف المطلوب عن شقاء الفقراء والمعوزين والعاطلين عن العمل؟ هذه كلها أسئلة تنتظر الإجابة المقنعة في العمل الفعلي.

إن مصطفى الكاظمي أمام امتحان عسير بسبب الأجواء المعقدة والموبوءة السائدة في البلاد، بسبب دور الدولة العميقة ومؤسساتها ومصالحها الغائرة في عمق الدولة والمجتمع، ولكن التزام جانب الشعب وقوى الانتفاضة هما السبيل الوحيد لمن يحترم حرية وحقوق وإرادة ومصالح وأموال الشعب المسروقة أولاً، ومن يعمل على صيانة استقلال وسيادة وحدود الوطن المستباحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى