مقالات

من عراق الزمن الجميل إلى عراق الزمن الرديء مولود باشا مخلص مثالا

من عراق الزمن الجميل إلى عراق الزمن الرديء مولود باشا مخلص مثالامولود باشا مخلص _بقلم إبراهيم الزبيدي

لم يتسلم رئاسة مجلس النواب هبةً من محتل وليس بصفقة “دولارية” مليونية بين حزب وحزب، أو ميليشيا وميليشيا، كما هو قائم حاليا في العراق.الكفاءة والنزاهة والوطنية صارت من الممنوعاتمن الكتب الممتعة النافعة والجديرة بالقراءة كتابٌ بذل فيه الزميل هاتف الثلج جهدا كبيرا لتسجيل أهم صفحات بُناة العراق الحقيقيين، وتوثيق ما في مسيرة كل واحد منهم من ملاحم تقطر نزاهةً وشجاعة ووطنية غير مفتعلة لم يكن بطلُها ينتظر أن يقبض ثمنها من شعبه، وظيفة أو ثروة، بل لقد رحل بعضهم وهو لا يملك إلا الستر والسيرة الحسنة واحترام الأجيال المتعاقبة.واحدٌ من هؤلاء الرجال الأشداء هو مولود باشا مخلص. فمنذ أن بلغ العشرين من عمره في العام 1905 وحتى وفاته عام 1951 لم ينم ليلة واحدة وهو آمنٌ أو خالٍ من همّ. وقد عاش عمره كله وهو مسكون بهاجس الواجب القومي والوطني الذي جعله داخلا في معركة أو عائدا من معركة ضد الظلم والاستعمار والاستغلال.فمذ كان ضابطا في الجيش العثماني، ثم ضابطا في الجيش العربي، وأخيرا أحد أهم مؤسسي الجيش العراقي الذي حله الغزو الأميركي، وهو أحد أبرز الناشطين العراقيين الذين لم يدخروا جهدا في تنوير أمّتهم وتحرير وطنهم والدعوة إلى الثورة من أجل الحرية والكرامة والاستقلال.وكان هذا ما أقنعه بالانضمام إلى الثورة العربية بقيادة الملك الحسين بن علي، والجهاد من أجل الخلاص من الاستعمار العثماني بمعاونة الإنجليز، مقابل تعهدهم بمنح الدول العربية استقلالها وحريتها فور انتهاء الحرب.ولكنه حين تأكد، بعد سقوط الدولة العثمانية، أنهم غدّارون ومخادعون وغير عازمين على الوفاء بوعودهم لم يدّخر جهدا في محاربتهم والسعي للخلاص من استعمارهم الجديد وظل كارها لهم إلى آخر يوم في حياتهوبين هذا وذلك تحمّل كثيرا جدا من التضحيات والآلام الشخصية والأسرية، ولم يتوقف عن جهاده ضد الاستعمار الإنجليزي، حتى وهو أحد الأعوان المقربين والمؤتمنين من قبل الأمير فيصل الأول في سوريا، ثم أبرز مناصريه ومعاونيه ومشاركيه في تأسيس الدولة العراقية الجديدة.مولود باشا مخلص كان من أوائل المجاهدين الذين أسسوا الحركة الوطنية العربية الداعية إلى الاستقلال والحرية والكرامةوفي الدولة العراقية الوليدة قادتْه سمعتُه الوطنية وجهاده وصدقه ونزاهته إلى مناصب مهمة في الجيش والدولة، رغم عدم رضا الإنجليز عنه.ففي فترة من حياته كان متصرفا (محافظا) للواء (محافظة) كربلاء، وذات يوم جاءته رسالة من المندوب السامي البريطاني في بغداد تخبره بأن المستشار الإنجليزي سيزور لواء كربلاء للتفتيش، وتطلب منه أن يقوم باستقباله بنفسه عند أول حدود اللواء. فغضب واستدعى مدير شرطة كربلاء وأمره بأن يذهب إلى أول حدود المحافظة وعند وصول المستشار الإنجليزي يأمره بأن يعود من حيث أتى، ويقول له “ممنوع دخول اللواء ما دام المتصرف فيها مولود مخلص”. وقد أنفذ مدير الشرطة أمر المحافظ بأمانة.حادثة أخرى وقعت ذات يوم استدعاه فيه الملك فيصل الأول لمهمة عاجلة، وكانت سيارته معطلة. فلم يجد وسيلة سفر من تكريت إلى بغداد إلا سيارة البريد العام، فركب مع باقي ركابها العاديين. وفي الطريق، عند منطقة (السميجة) ظهر خمسة قطاع طرق بهدف السّلب، فتصدى لهم الباشا وبادلهم نارا بنار، وظل يقاتلهم حتى أصاب أحدهم وأصيب هو بعدة جروح نقل بعدها إلى مستشفى المجيدية في بغداد.ويومها كانت المس بيل هي حاكمة العراق الحقيقية، تماما كما كان الحاكم الأميركي بول بريمر في أعقاب الغزو الأميركي. فقامت بزيارته في مشفاه للتشفي والتقريع، فبادرته بالقول، “ها… مولود، أليس هؤلاء هم جماعتك العرب؟ لقد حاولوا قتلك بقصد السرقة”. فرد عليها “لا، هؤلاء لم يكونوا يريدون قتلي بقصد السرقة، بل هم كانوا يريدون قتلي ظنا منهم بأنني واحد من عملائكم!”.وحين زاره الملك فيصل الأول في داره خاطبه، وهو طريح الفراش، “يا سيدي لا أدري إن كنت سأعيش أو أموت، لكن وصيتي لك أن تعفو عن هؤلاء، لكي لا تشمت بنا المس بيل”.وفي العام 1937 فاز بمقعد نائب عن بغداد وانتخبه النواب بالإجماع رئيسا لمجلسهم. وهنا نسجل هذه الحقيقية. فبالرغم من أن سلطات الاحتلال البريطاني كانت تعده من معسكر أعدائها الأشداء إلا أنها كانت أذكى من التدخل لمنع انتخابه رئيسا لمجس النواب.يعني أن مولود باشا مخلص لم يتسلم رئاسة مجلس النواب هبةً من محتل، وليس بصفقة (دولارية) مليونية بين حزب وحزب، أو ميليشيا وميليشيا، كما هو قائم حاليا في العراق.وكذلك كان حال زملائه الذين تعاقبوا على رئاسة مجلس النواب، وهم عبدالمحسن السعدون، رشيد عالي الكيلاني، عبدالعزيز القصاب، توفيق السويدي، جعفر العسكري، جميل المدفعي، محمد رضا الشبيبي، ومحمد فاضل الجمالي.وفي الزمن الأميركي ووريثه الزمن الإيراني في العراق تتابع على رئاسة مجلس النواب، مثلا، محمود المشهداني وإياد السامرائي وفؤاد معصوم (بالإنابة) وأسامة النجيفي وسليم الجبوري ومحمد الحلبوسي.وفي جميع الحالات كان الحاكم المدني الأميركي بول بريمر، ثم قاسم سليماني من بعده، من يتكرم بإهداء رئاسة المجلس، وهي حصة الطائفة السنية، للمستحِق السني الذي يجتاز تجارب صعبة عديدة يثبت من خلالها أنه منبطح كامل الأوصاف، ولا يُحتمل، حتى لو بنسبة واحد في المليون، أن تصحو لديه غيرة ورجولة ووطنية ذات يوم فيتمرد أو يغدر أو يتقاعس عن خدمة سيده صاحب الفضل عليه بالرئاسة. أما الكفاءة والنزاهة والوطنية فمن الممنوعات.ثم تحولت الوزارات غير السيادية والمؤسسات الأخرى إلى دكاكين معروضة للبيع والاستئجار، ولكل شاطرٍ ما اشترى.ففي ظل قانون شريعة الغاب الجديد التي حكم بها المحتل الأميركي ثم وريثه المحتل الإيراني أصبح المال يلد المال، والمال يلد السلطة، والسلطة تلد المال، إلى أن يقضي الله أمرا كان مفعولا.ترى، لو طال العمر بمولود باشا مخلص ورأى محمد الحلبوسي وخميس الخنجر وهادي العامري ونوري المالكي وقيس الخزعلي وأبو فدك هم القادة والزعماء وأصحاب الحل والربط أكان سيتردد لحظة في أن يشهر مسدسه فيطلق الرصاص يمينا ويسارا حتى ينتصر أو ينتحر كما انتحر رفيقه الخالد عبدالمحسن السعدون؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى