مقالات

ما هو أهمّ من دخول الكاظمي البيت الأبيض

بقلم _ خيرالله خيرالله إعلامي لبناني

ما هو أهمّ من دخول الكاظمي البيت الأبيض إذا كان من دور أميركي في العراق فإنّ هذا الدور يجب أن يتسم بالشجاعة أوّلا. شجاعة الاعتراف بأنّ إدارتي بوش الابن وباراك أوباما أوصلتا إلى جعل العراق مجرّد رهينة إيرانية أي مسؤولية يتحملها الكاظمي؟ ليس مهمّا أن يذهب رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي إلى واشنطن لعقد لقاء مع الرئيس جو بايدن في ظلّ حديث أميركي عن “شراكة استراتيجية” بين الولايات المتحدة والعراق. المهمّ ما الذي تستطيع الإدارة الأميركية عمله للعراق كي يستعيد البلد توازنه ودوره الإقليمي وكي يحمي نفسه من المشروع التوسّعي الإيراني الذي غيّر طبيعة العراق وموقعه في الإقليم؟ تقع مسؤوليّة كبيرة على الولايات المتّحدة في العراق. لا يتحمّل مصطفى الكاظمي أيّ مسؤولية تذكر عن الوضع القائم الذي ورثه منذ وصوله إلى موقع رئيس الوزراء في نيسان – أبريل 2020. يحاول الكاظمي مع رئيس الجمهوريّة برهم صالح القيام بكل ما يستطيعان من أجل استعادة العراق كبلد على علاقة طبيعيّة مع جيرانه، بمن في ذلك “الجمهوريّة الإسلاميّة”. لكن الواضح أن حجم الضرر الذي لحق بالعراق يصعب إصلاحه في ظلّ موازين القوى القائمة، أي في ظلّ الهيمنة الإيرانية على مرافق الدولة التي تأسّست بعد التاسع من نيسان – أبريل 2003. المطروح بكلّ بساطة وجود دور أميركي يساعد في إعادة العراق إلى العراقيين، وهذه رغبة الأكثرية الساحقة من أفراد الشعب العراقي، بمن في ذلك شيعة العراق. قبل أيّ كلام أميركي عن أي نوع من “الشراكة” مع العراق، يبدو مطلوبا التعرّف إلى العراق وما يدور على الأرض والقيام بعملية نقد للذات. ليس معروفا هل في استطاعة إدارة بايدن القيام بمثل هذه العمليّة التي في أساسها الاعتراف بأنّ الاجتياح الأميركي للعراق قبل 18 عاما ثم قيام مجلس الحكم الانتقالي على أسس يحرّكها الحقد كانا بمثابة خطأ مميت. لا يمكن إصلاح الخطأ بوسائل تقليدية أو ديبلوماسيّة من نوع استقبال الكاظمي في واشنطن أو عدم استقباله بصفة كونه ثاني زعيم عربي، بعد الملك عبدالله الثاني، يدخل البيت الأبيض منذ بدء ولاية جو بايدن في العشرين من كانون الثاني- يناير الماضي. يمكن الكلام طويلا عن الحرب على “داعش” وعن التنسيق الأميركي – العراقي في إطار هذه الحرب. لكنّ المفارقة أن الأميركيين يرفضون اخذ العلم بمن وراء ظهور “داعش” وبما تفعله إيران في العراق منذ ما يزيد على 18 عاما. أكثر من ذلك، يوجد رفض أميركي للإقرار بأنّ إدارة جورج بوش الابن سلمت العراق على صحن من فضّة إلى إيران وأن إدارة باراك أوباما جاءت لاستكمال هذه العمليّة. ظهر ذلك بشكل واضح عندما اتفقت إيران مع إدارة أوباما على أن يكون نوري المالكي رئيسا للوزراء على الرغم من أنّه لم يكن على رأس اللائحة التي حلت في المركز الأوّل في الانتخابات الاشتراعيّة. ليس سرّا أن “داعش” استطاع السيطرة على مناطق عراقية عدّة في مرحلة معيّنة. وليس سرّا الدور الذي لعبته حكومة المالكي في تسهيل انتشار تنظيم “داعش”. يمكن لـ”داعش” أن ينشط مجددا، لكن الخطر الأكبر على العراق ليس “داعش”. يكمن الخطر الأكبر على العراق في الأهداف الإيرانيّة التي تتجاهلها الإدارات الأميركية المتلاحقة والتي وحدها إدارة دونالد ترامب كانت تعرفها جيّدا. عبّرت إدارة ترامب عن هذا الفهم العميق للأهداف الإيرانيّة عندما مزّقت الاتفاق في شأن الملفّ النووي الإيراني في أيّار – مايو 2018 وعندما نفّذت عملية اغتيال قاسم سليماني قائد “فيلق القدس” في “الحرس الثوري” الإيراني في كانون الثاني – يناير 2020 أثناء مغادرته مطار بغداد مع أبومهدي المهندس نائب قائد “الحشد الشعبي” العراقي. هل تستطيع الولايات المتحدة، في حال كانت تريد فعلا مساعدة العراق، استيعاب أنّ لا فائدة تذكر من أيّ مساعدة في حال كان هناك جيش رديف للجيش العراقي هو “الحشد الشعبي”. ليس “الحشد الشعبي” سوى عنوان عريض تعمل تحته مجموعة من الميليشيات المذهبيّة التابعة لإيران… تستحيل بلورة “شراكة” أميركيّة – إيرانيّة في ظلّ “الحشد الشعبي”. يستطيع الكاظمي الشعور بالفخر بعد اعتقال الأجهزة الإيرانيّة المتهمين باغتيال هشام الهاشمي قبل نحو سنة. تبيّن من المعلومات المتوافرة أن بين أبرز من يقف وراء اغتيال هشام أحد المنتمين إلى الحلقة الضيّقة المحيطة برئيس الوزراء العراقي، الضابط أحمد الكناني الذي ينتمي إلى “حزب الله” العراقي. ماذا عن الجرائم الأخرى وماذا عن الاعتراف الصريح بأنّ العراق أسير إيران وأن الولايات المتحدة وراء وقوع العراق في هذا الأسر؟ حسنا، أرادت إدارة بوش الابن الانتهاء من نظام صدّام حسين الذي كان نظاما عائليّا متخلّفا قبل أن يكون نظاما بعثيا. لم يفكّر المحافظون الجدد في أميركا في خطورة إلغاء الحدود بين العراق وإيران ومعنى انهيار أحد الأعمدة التي قام عليها النظام الإقليمي في الشرق الأوسط. كانت النتيجة ما آل إليه العراق الذي بات عليه البحث عن كيفية الخروج من الهيمنة الإيرانيّة. إذا كان من دور أميركي في العراق، فإنّ هذا الدور يجب أن يتسم بالشجاعة أوّلا. شجاعة الاعتراف بأنّ إدارتي بوش الابن وباراك أوباما أوصلتا إلى جعل العراق مجرّد رهينة إيرانية. لم يعد العراق أكثر من ورقة ضغط على أميركا في المفاوضات التي تجريها مع إيران حاليا. لعلّ أكثر ما يضحك، بل يبكي، أن الميليشيات العراقيّة الموالية لإيران التي عادت إلى بغداد على ظهر دبابة أميركية، تلعب الدور الأبرز حاليا في التصدّي للوجود الأميركي في العراق وفي منع العراق من ممارسة دور متوازن. يشمل هذا الدور التعاون مع محيطه العربي أوّلا من دون أن يكون معاديا لإيران. نعم، هناك نقطة يمكن أن تنطلق منها عملية بلورة سياسة أميركية تجاه العراق. لكن يبقى السؤال هل من استعداد أميركي لبلورة سياسة عراقيّة؟ ليس ما يشير إلى أن ذلك ممكن في غياب موقف واضح من المشروع التوسّعي الإيراني الذي أخذ بعدا جديدا في العام 2003 وما زال إلى الآن في اندفاعه. لا يقتصر هذا المشروع على العراق، بل على سوريا ولبنان واليمن أيضا. ماذا ستفعل أميركا كي تكون هناك فائدة من دخول مصطفى الكاظمي البيت الأبيض؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى