مقالات

إدارة موارد الأسرة وحماية مستقبلها

د.سلامة الصالحي

تتكون المجتمعات منذ عصور قديمة من وحدات صغيرة هي الأسر. والأسرة تعد لبنة في بناء أي مجتمع فهي التي تنتج أفرادا نافعين لهذا المجموع أو مضرين وسلبيين. بمعنى أنها قد تنتج عالات يبتلي بها هذا المجتمع نتيجة سوء التدبير والتخطيط وعقلية التربية ووعي أفرادها، بدءا من الأم والأب والاجداد وحتى وعي أبنائهم الذي ينمو فيها وما حولها من محيط، وقد توجه الدول رعاياها بما يخدم حياة ورفاهية وكرامة هذه الأسر، الذي ينعكس على صورة الدولة وقوة اقتصادها وسمعتها بين الدول وطبيعة وتنوع هذا الاقتصاد،الاسرة هي التي تكون دعامة الاقتصاد الاولى، فالبشرية مرت بتجارب عديدة في توجيه الفرد والمجتمع، عبر المنظومات الدينية او القبلية وفي العصور الحديثة تنظمت مجتمعات معينة عانت من التخلف والعوز تحت فكر أيديولوجي كالاشتراكية والليبراليات الغربية، التي وضع اسسها علماء اقتصاد ومفكرون انقذوا اوطانهم ومجتمعاتهم، فمن خلال النظام الاشتراكي كانت الدولة تتكفل برعاية الناس من كل الجوانب من خلال الدعم الصحي والتعليمي والاجتماعي. وآمنت بفكرة المساواة بين الحاكم والمحكوم ونجحت هذه المجتمعات لفترة من الزمن، وبنيت الدول ثم تفككت وسقطت بعض هذه الدول وفشل هذا النظام الاشتراكي، ربما بمؤامرات دولية او ترهل للنظام، لاسباب انسانية تهشمت من الداخل أركانه التي بني عليها ليستبدل بالنظام الليبرالي، كدولة روسيا التي أصبحت مباهج الغرب ونظامه اشد إغراء للناس من اشتراكية لينين، وعادت الاسرة الى نفسها بعد أن كانت ضمن منظومة الحكومة الاشتراكية من دون أن تفكر هذه المنظومات برغبة الانسان الفطرية في التملك والاستقلالية. وقد نجحت روسيا في انتشال شعبها في بداية الثورة البلشفية من الفقر والاقطاع والتفاوت الطبقي، لتعود بعد سبعين سنة الى النظام ذاته الذي تسيطر الآن على اقتصادها حيتان المال ومافيات الشركات، في حين بقي النظام الاشتراكي المشاعي في الصين التي هي الان مصنع العالم وأول دولة في التنمية، ونجحت في تجاوز محنة العدد السكاني الملياري من دون أن تعاني من مجاعة أو فقر وتصدر عاهات تهاجر وتملأ العالم بالمعوزين والفقراء مثل افريقيا المستغلة من قبل الغرب وغفلة شعوبها، او دول الشرق التي انشغلت بالحروب وصراع السلطة والاحقاد الاجتماعية البغيضة، ويعود هذا الى نجاح الاسرة والحكومة في نظام اقتصادي انساني أبتنته أياد مخلصة لشعوبها وأوطانها عبر تنظيم موارد الاسرة لتصب ضمن موارد الدولة والمجتمع عبر تربية حقيقية، تبدأ بالطفل ولا تنتهي لسنوات طويلة قادمة، وفي هذا الشأن لا بد من الاشارة الى بلادنا التي يتزايد سكانها بطريقة عشوائية ودون تخطيط لما سيدخل هذه الأسر من موارد شخصية عبر العمل الخاص أو الوظيفة الحكومية، فنجد اغلب هذه الأسر التي يدخل في جيبها موارد قد تكون أحادية او متعددة غير واعية لما سيحدث لها في المستقبل من ظرف قد تكون فيه بأمس الحاجة الى المال أو المدخرات الشخصية. فنجد أن الطفل الاميركي يتربى على فكرة تجميع المال منذ الطفولة، فلا يبذر ما يحصل عليه وفي أغلب الاحيان يكون مسؤولا عن ادارة نفسه، عبر المصروف اليومي الذي تمنحه له الأسرة التي هي ايضا تدخر ما يزيد عن احتياجاتها، ناهيك عن نظام تأمين اجتماعي اقتبس بعض نقاطه من النظام الاشتراكي، بغية حماية الفرد تحت مظلة الشركات العملاقة التي تتولى اقتصادات الغرب وتتبع معظم دول الغرب ومنها أميركا،هذا النظام الذي أضفى على شعوبه الاستقرار من دون أن يهملوا ادارة مواردهم الشخصية والاستسلام للاستهلاك الجائر والشراء العشوائي.فإدارة موارد الاسرة تكون ضمن وضع ميزانية تتجاوز الكماليات والاستهلاك غير المجدي في كثير من الاحيان، فكم تم تبذير ملايين الدولارات على الاتصالات الهاتفية بعد ان تم اهمال الهاتف الارضي للاسف ليسد حاجة الفرد للاتصالات واعتمد بشكل دائم على شركات الاتصالات الجائرة الارباح والاستغلال او السفر المفرط أو المظاهر الزائفة. فبلادنا الريعية التي تعتمد على المورد الوحيد وهو النفط وأهملت الزراعة والتجارة والصناعة، وصار الفلاح يحب الخنوع الى ترف الكسل والرفاهية الزائفة وقوانين لا تحمي حتى منتجه الذي يتعب عليه. أذ إن استيراد الفواكه والخضر وحتى البصل أدخل الفلاح العراقي في محنة بوار سلعته وتلفها وهو يرى مزادات المستورد تطغي على انتاجه المميز والذي يعد صحيا وعضويا وغير خاضع للمنشطات والتعديل الجيني، وتحت طائلة انقطاع الكهرباء العجيبة التي مضت على محنتها ثلاثون سنة عبرت خلالها دول متخلفة الى مصاف الدول المتقدمة، تعطلت الصناعة والقطاع الخاص وصارت الاسرة في حيرة من أمرها وبدت الوظيفة الحكومية حلم الجميع. مع هذا فأن الاسرة التي لاتدخر جزءا من مواردها ستتعرض في يوم ما الى محنة لا تستطيع تلافيها أن وقعت فيها فتضطر الى الاستدانة عبر الربى المصرفي أو المجتمعي، وهذا يؤدي الى أن تقود أسرتها الى الفقر والعوز وحاجة الاخرين، فليس من الصعب أن توضع ميزانية توازن مصاريف الأسرة من دون أن تكون شعار الكثيرين أصرف في الجيب يأتيك ما في الغيب، هذه العشوائية في الصرف وعدم التنظيم أراقت كرامة الكثيرين بالعوز والحاجة للاخرين. وصدرت النصابين والمحتالين والسراق الى المجتمع ليبتلي بهم، لسداد مصاريفه الطائشة وكمالياته التي لا معنى لها، فبعد حصار دام عقدا وأكثر وبعد دخول أموال كثيرة ورواتب عالية، صارت اهتمامات الناس تتجاوز اهتمامات المعيشة الميسورة. وصار انتقاء الهاتف الثمين او السيارة الثمينة أهم من بيت يأوي أفراده، فقد تجد هذا الشخص يمتلك سيارة آخر موديل، في حين يسكن في بيت لا تتوفر فيه أبسط الشروط الانسانية، أو حتى متجاوزا على المال العام وأراضي الدولة صحيح أن متطلبات الحياة صارت أكثر ونحن في عصر التكنولوجيا والحداثة السائلة والاستخدام القصير الامد للاشياء وحتى المشاعر، فأن فكر الفرد انحرف كثيرا وصارت الحاجات القديمة لا تروق له، فيمضي الى استبدالها بحجة الملل. فالثلاجة التي كانت تبقى في البيوت لسنين طويلة أو التلفزيون او أي حاجات بيتية اخرى أن تعطلت لا يتم تصليحها، بل تستبدل بالجديد ويرمى القديم مما جعل مهنا كتصليح الاجهزة الكهربائية تختفي ويتعطل رزق اصحابها، أو حتى كثير من الحرف اليدوية والمهارات بدأت بالاندثار والاختفاء من حياتنا تحت موجة الاستيراد العشوائي واغراق البضائع الرخيصة المستوردة والتي تتلف بعد مدة بسيطة من استخدامها، من دون أن تكون هناك سيطرة على نوعية المستورد وحماية المستهلك، فتتم سرقة المواطن من قبل التاجر السيئ والدولة المنتجة، لحاجيات تنوء تحت ثقلها اكوام القمامة، او استغناء الأسرة عن الطبخ في المنازل وشراء ما تحتاجه من طعام من المطاعم، وسهولة الوصول عبر ما يسمى بـ»الدليفري»، أو الاعتماد الكلي أحيانا على المطاعم مما يجعل من البيوت خاوية من رائحة وطقوس الطبخ، ناهيك عن ضياع موارد الاسرة بالتبذير وعشوائية الاستهلاك أو حتى التبضع عبر اغراءات الانترنت، لتصل لنا بضاعة غير التي عرضت علينا وهنا يتدخل الغش التجاري واستغلال المستهلك والسرقة الخفية لاموال الدول التي لا تحمي شعوبها عبر السيطرة النوعية ومنع دخول البضاعة الرديئة.فالأسر التي لاتستطيع السيطرة على رغبات الشراء والاستهلاك وادخار المال ستنتج مجتمعا استهلاكيا فاشلا، واسرة مهددة بالعوز والحسرة، وربما يتدخل تضخم العملة وأصفارها في هذا الشأن ليجعل من الاستهلاك واحتقار المال طبع من طبائع الناس، بينما تجد الأسر التي تدخر الاموال ولاتصرف أكثر من حاجتها، وتعتز بما لديها من حاجيات وأن تقادمت فهي ليست بالبخيلة او المقترة على افرادها، بل منظمة تنظيما حديثا في ادارة مواردها لتتطور أحوالها نحو الافضل، ولا تنتج افرادا مستهلكين يضرون بذات الوقت انفسهم وبلادهم، ويقف خلف هذا عقل أم مدبر وأب مفكر وأسرة حريصة على كرامتها وماء وجهها، وغير مستسلمة لاغراءات الشراء، اي متقشفة ذلك التقشف الجميل الذي يجعل الاشياء في نصابها، من دون ان تتذمر او تشكو، فتجد أن كل ما لدى هذه الأسرة هو ثمين وذو قيمة، لأنها احترمت ما جاء لها من خير من دون أن تبذره حرقا في بضائع لا تعني شيئا احيانا كثيرة، أدعو الأسرة العراقية الى تنظيم مواردها والابتعاد عن مظاهر الصرف الزائفة والاعتزاز بما لديها، حتى لاتهدر كرامتها امام كائن من كان. فالتقشف في المعيشة مظهر من مظاهر الجمال الروحي، وادخار ما يغنيها في أيام العوز والحاجة هو كرم ما بعده كرم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى