مقالات

الدولار يغني

الدولار يغني – ياس خضير البياتي

يُقال: إن الصبر الجميل عاقبته خير، وحلول للأزمات؛ ولستَ وحدك في الأزمة، فالأزمة عليك وعلى خصمك.

وما تعقدت أزمة إلا لتنفرج، وما تأزَّمت إلا لتُحل، وما تركَّبت إلا لتتفكَّك

. لكن هذه القاعدة الذهبية لا نراها حاضرة في الحياة السياسية العراقية، فلا فرج ولا حل ولا تفكك للأزمات؛ بل هي متواليات من الأزمات التي لا تنتهي؛ أزمة تلو الأخرى، وأزمة فوق الأخرى، والآفاق تبدو محاطة بقدرٍ هائل من عدم اليقين، والتحديات لا تقبل القسمة.

فالعراق ولاد أزمات، حيث تتسارع وتزداد سوءا، ولن تتوقف على المدى المنظور لصعوبة التنبؤ بمآلتها، حيث ظروفها المألوفة تُخفي طبيعتها، بوجود النهم السياسي للسلطة والمال، وضعف الخبرات المالية التي لا تفرق بين الدائن والمدين، وبطاقة الخصم المباشر والبطاقة الائتمانية. وهناك صراعات سياسية للاستحواذ على خزائن العراق من خلال مصارف وصلت إلى أكثر من سبعين مصرفاً خاصاً تبتلع الدولار بالصفقات والتزوير.ومنذ أكثر من شهرين، يشهد صرف الدولار ارتفاعًا مقابل الدينار العراقي، دون أن تتمكن قرارات البنك المركزي من وقف انخفاض سعر الصرف؛ بينما يشهد السوق العراقي ارتفاعًا في أسعار المواد الغذائية والسلع الأساسية المستوردة، والخاسر الأكبر هو الشعب الذي عانى من ويلات الجوع والظلم والقهر، في ظل دولة غارقة بالنفط والغاز والأنهار والنخيل، ومخزون من المال يربو على مئة مليار دولار، وموازنة عامة خيالية تصل إلى 130 مليار دولار!مازالت معادلة الدولارات والمليارات في بلدنا غير قابلة للقسمة والضرب والجمع والطرح؛ بسبب ضخامة الأرقام، وكثرة منافذ سرقتها وتهريبها وتبييضها وغسلها، والأعداد الكبيرة المتورطة في شفط الأموال من دول وأحزاب ومصارف وأفراد.وبالرغم من وجود مئات الهيئات للنزاهة والشفافية ومحاربة الفساد وغسل الأموال، وعشرات القرارات الحكومية، ومع ذلك مازالت أزمة الدولار تتصاعد وتتفاقم، والسرَّاق يتجولون في أسواق البورصة، وباحات المصارف ودكاكين الصرافة؛ مازال سُرَّاق المليارات بيننا بعد نزهة قصيرة في سجون خمس نجوم!أزمه الدولار هي أزمة سياسية ومالية؛ عرض وطلب وتآمر وحيتان كبيرة.

هناك إرادات سياسية مصلحتها تثوير الفوضى المالية، وتدوير الوجوه البائسة لشفط ما تبقى في البنك المركزي، والتلاعُب بحياة الناس، وإرادات دولية لمنع تهريب العملة للدول المجاورة، وضبط حركة الأموال العراقية.

وهناك جهود حكومية حثيثة لإيقاف تداعي أزمة الدولار؛ لكنها غير قادرة على كبح جماح الأزمة وحلها بطرق واقعية.

مازالت تتحرك على بسطات الصيرفة بلا هدف، وترسل رسائل خاطئة للجمهور تفتقر إلى الاتساق، وتحفل بالتناقضات التي تؤدي إلى الفزع والخوف والارتباك وعدم الثقة.

مازال الخطاب بدائيًّا من خلال تبَنِّي “نظرة أبويّة”، تقوم بالتعامل معهم على أنهم “أطفال” بحاجة إلى من يقيهم شر الاستماع للأخبار السيئة والشائعات؛ بينما الواجب هو النظر لهم كأشخاص راشدين يعرفون دورهم في تحدِّي الأزمة، والمشاركة في حلِّها تضامنيًّا.

والعلم يقول: كن واضحًا حول ما ينبغي على الجمهور أن يعرفه ويعمله في الاستجابة للأزمة. مازال الدولار يُغنِّي بأعلى صوته، ويستفز المتقاعد والموظف وأبناء الرعاية الاجتماعية الذين يكتوون بنار الأسعار، وتذبذب الدولار، وضغط العيش الحزين وأمل الانفراج الذي قد يأتي ولا يأتي.

مازال السياسي الفاسد والتاجر الجشع يخربون جمال الحياة، ويقودون قاطرة العملية السياسية إلى التهلكة، ويسعون في الأرض فساداً وإفسادا للإفقار والتفريق والتخريب؛ أنهم أصحاب الضمير الميت!أقول لكم من الآخر: ليست المشكلة هي الدولار والفساد، المشكلة منبعها النظام السياسي الذي يُجبرك لتكون فاسدًا، وأن تقبل بالمقسوم عليك بلا وعي!

قرأت قصة طريفة كتبها أحد الزملاء من التاريخ تقول: انشأ مدحت باشا أثناء حكمه في قصر الولاية في القُشلة ببغداد مجموعة (السرسرية)؛ والتي تعني: (الشرطة الاقتصادية) لمتابعة الأسعار وضبطها، إلا أنها فشلت في مهمتها، فاضطُر إلى تشكيل مجموعة (السيّبندية) وتعني: (المُفتش) لمراقبة (السرسرية) وتدقيق الأسعار؛ لكنها هي الأخرى فشلت؛ فأنشأ مجموعة (الهتليّة) من موظفي القصر لمراقبة (السرسرية) و(السيّبندية)، رغم ذلك لم تنخفض أسعار التموين بسبب تفاهُمِ الهتليةِ مع السيبنديةِ والسرسريةِ والتجار.

ولم يجد حلًّا إلا الإعلان عن مجموعة (الشلاتيّة) التي تعني: (النزاهة)، والتي لم تنجح هي الأخرى بمهمتها بسبب اتفاق الشلايتي مع الهتلي والسيبندي والسرسري.

سيقول البعض: لله في خلقه شؤون!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى