مقالات

الشعب في زاوية ضيقة

د. فاتح عبدالسلام

في كل يوم، تصلنا أخبار مداهمة وكر لتنظيم داعش أو قتل عدد من قياداته أو قصف أماكن حركة خلاياه، وما تقوله التقارير الحكومية الرسمية في بغداد يوحي بأن المعركة الامنية لا تزال على أشدها في منازلة التنظيم الذي سبق أن فتك محتلاً محافظات بسعة ثلث العراق. من الواضح انَّ وعي الناس ارتقى الى درجة مناسبة في التصدي للتنظيم، وانّ امكانية عودة احتلال التنظيم لمدن عراقية بات أمراً ضعيفاً جداً، لكن بالمقابل فإن اساليب جديدة بدأت تظهر وقد تزداد في عمليات اثبات الوجود، عبر ثغرات كثيرة ليس في الجدار الامني، وانما من خلال النقص الخدماتي والصراعات السياسية الملوثة بفساد كبير لم يعد بإمكان اية جهة أن تخفيه عن عيون العراقيين، كما حصل في السنوات الثماني عشرة الماضية. لكن الحلول لن تكون عسكرية وامنية مهما كانت ناجعة أحياناً، ذلك ان الحاجة ماسة الى ارساء اسباب الحياة الكريمة للمواطن العراقي موظفا أو كاسباً أو متقاعداً أو عاطلاً، وان الثروات العراقية قادرة أن تغطي مساحة العيش الرغيد لأربعين مليون نسمة اذا جرى التصدي الحقيقي للفاسدين وتجفيف بؤره كما يتم تجفيف بؤر الارهاب، فالفساد هو بوابة الارهاب وهز ثقة الشعب بالشخصيات والادارات السياسية والحكومية على اعتبارها تتنعم بأموال الفساد أو تداهن حيتانه، وانَّ الشعب غير متحمس لبقائها. يجب ألا ينسى أحد انَّ معظم شعارات داعش يوم احتلت المدن العراقية هي العمل على تخليص الناس من الفساد والاضطهاد بكل اشكاله، ولمك يكن الناس يعلمون شيئا عن هوية هذا المخلص الذي تحوّل الى اكبر مضطهد للشعب ومدمر لحضارته ورموزه التاريخية. ليس مسموحا لأية سلطة ان تضع الشعب في زوايا ضيقة كما فعلت الحكومات الماضية لكي يجد في ليلة وضحاها انه بين يدي اية قوة او تنظيم او مليشيا او جهة لا علاقة لها بالدولة، لأن الدولة ليس لها مقومات الوجود والتأثير وتطبيق القوانين وكسب ثقة الناس. هذا الموقف المزري جريمة لن تفلت منها اية سلطة رسمية فيما لو وقعت في نفس المنزلق السابق. المدن العراقية وناسها امانة بيد من يمسك بالسلطة، وتلك مسؤولية عليها حساب وكتاب وليس مجرد مناصب وجاهية تعطى للأميين والفاسدين والمُعقدين نفسياً والعملاء للـخارج.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى