مقالات

(جدلية التمدن والتريُّف)

هنا المعقل ..هنا البصرة ثالثةً(جدلية التمدن والتريُّف) – منقذ داغر

في هذه الحلقة التي اواصل فيها نزيف ذكرياتي مع معشوقتي البصرة ومعقلها الرائع،أحاول مواصلة الاجابة عن سؤال الشباب البصري وسواهم،مالذي جعل مدننا تنحدر الى ما هي عليه الان؟وماذا نفعل كي نستعيد عافيتها؟وعلى الرغم من ان السياسة تقع في صلب الاجابة عن هذين السؤالين لكني سأحاول تجنب الأنتقادات السياسية المتكررة-والصحيحة- والتي ادت لخراب(البصرة)وأركز على الجانب الأجتماعي من اسباب تريّف مدننا ومنها البصرة التي -هي وسواها من الحواضر الكبرى- عانت منه طوال العقود الخمسة الماضية. لكني اود الابتداء بالتأكيد انني ضد الاحكام القيمية سواء على أخلاق المدينة أو الريف،فلكل من الاثنين شخصيته وقيمه التي تطورت بفعل عوامل موضوعية افهمها وأحترمها. وسأحاول ان ارتدي ثوب الباحث المحايد(قدر الامكان).مر الاجتماع البشري عبر تاريخه بمراحل بدأت بالصيد فالرعي فالزراعة فالصناعة؟ وفي احضان كل مرحلة كانت تنشأ تجمعات سكانية تتناسب مع مهنة السكان واقتصادهم فكان الانتقال من الغابة (أو الصحراء) الى القرية ثم المدينة. وكانت كل مرحلة تمتاز بتداخل اكثر من نمط سكاني حيث ترافق مجتمع الصيد مع مجتمع البداوة أو الزراعة أوالصناعة وبنسب مختلفة عبر مراحل التاريخ. ولأن لكل مجتمع مما سبق حاجاته وظروفه فقد نشأت القيم والمعايير والعادات والاخلاق التي تتلائم مع ذلك المجتمع. كما كان من الطبيعي ان تكون هناك فترات انتقالية في حياة الجماعات التي تحاول الانتقال من الصيد أو البداوة الى الزراعة وكذلك من الزراعة للصناعة والخدمات(بما فيها التجارة) ثم الى العالم الرقمي الذي مازلنا نرقب تحولاته.وما يميز كل المجتمعات برأي الباحثين هومزيج الحاجة الانسانية للبقاء(الامن) او النماء(التعاون) لدى ذلك المجتمع. فالغابة والصحراء تفرض قيم البقاء اكثر من النماء.أما الزراعة فتتطلب مزيجا متجانسا(وليس بالضرورة متساويا) من البقاء والتعاون.أما المدينة فأن الحاجة للتعاون والنماء فيها اكثر،كما ان الوقت والجهد المبذول فيها للعمل(الفردي) أقل من الناحية النظرية! وكلما زاد التعاون قلت أهمية الوحدات المجتمعية الاساسية(القبيلة والعشيرة وحتى الاسرة) لبقاء الانسان ونماءه.بالتالي فالمدينة فيها مزيج كبير من المجاميع ذات الخلفيات والانتماءات المتباينة التي لا تجمعها حاجة البقاء أو الامن -لان الدولة هي من يفترض ان يوفرها- بل تجمعهم الحاجة للعيش المشترك والتعاون.كيف بنيت البصرة؟وكيف بني المعقل؟أنا هنا لا اتحدث عن البصرة التي كانت أول مدينة مصّرها المسلمون بعد خروجهم من الجزيرة،والتي هي اقرب لقضاء الزبير الان،لكني اتكلم عن البصرة-الميناء التي تعتمد التجارة وأدارة الموانئ وما يرتبط بذلك من خدمات واعمال اخرى. أتحدث عن بصرة السندباد(بغض النظر عن حقيقة شخصيته)،وعن المركز التجاري الاول في الخليج العربي لعقودٍ طويلة فكانت كل تجارة العراق والخليج مع كل دول العالم تمر عبرها.البصرة التي كانت اكبر مدينة مطلة على الخليج العربي بتعداد قدره الباحثون ب 50 الف نسمة في القرن السابع عشر.وأتحدث عن البصرة الولاية العثمانية الثالثة والتي امتدت بحدودها الادارية ابعد بكثير مما هي عايه حاليا.أنها البصرة التي عرف الانكليز انها مفتاحهم وبوابتهم لا لاحتلال العراق حسب بل لاسقاط الامبراطورية العثمانية فكانت اول مدينة عثمانية سقطت بيد الانكليز عام (1914) ومن خلال الفاو(البوابة البحرية للعراق على الخليج). فمكثوا في البصرة ثلاث سنين قبل ان يصلوا لبغداد. لذلك انشؤوا ميناء المعقل،ثم مدّوا فيها اول سكة حديد عرفها العراق،فكانت ممرا لوجستيا استراتيجيا لهم سواء من الناحية العسكرية او الاقتصادية. أنها البصرة التي كانت وما زالت تقع في قلب خطوط الامداد والاتصال بين الشرق والغرب وبين الشرق من جهة وبين الشرق والغرب وبقية انحاء العراق من جهة اخرى حين لم تكن هناك منافذ اخرى للتجارة مع العراق.البصرة التي حتى قبل اكتشاف النفط فيها في نهاية الاربعينات كانت رئة العراق وبوابته.ولأني لست مؤرخا فاني اركز على الابعاد الاجتماعية لوظيفة البصرة كمدينة كوزموبوليتانية.أما المعقل(ماركيل) فقد بنيت بعد ان تم اكتمال ميناء المعقل 1916-1919. وساترك تحليل الابعاد الاجتماعية لبناء مدينة المعقل وتخطيطها العمراني الذي ساعد في صهر كل ساكنيها بمختلف مشاربهم في بوتقة مدنية واحدة انستهم اختلافاتهم القومية والدينية والطائفية والعشائرية،الى الحلقة القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى