مقالات

المحكمة الإتحادية العليا بين الثيوقرطة والدمقرطة

أحمد طلال عبد الحميد

تسبب مازق صياغة دستور جمهورية العراق لسنة 2005 الى ضياع هوية الدستور العراقي مابين كونه دستوراً دينياً ام دستوراً علمانياً ، حيث حاول واضعيه المزج بين الاثنين الا ان ذلك اوقعهم في حومه اشكالات دستورية ظهرت لاحقاً على السطح في خضم فوضى سياسية ومحاصصية انعكست على الواقع التشريعي وادى ذلك لضهور قوانين ونصوص غريبة على التشريعات العراقية ، وهي بالحقيقية نتائج متوقعه لمحاولة واضعي الدستور للمزاوجة بين الهوية الدينية والهوية العلمانية للدستور ، فالمادة 1 من الدستور نصت على كون نظام الحكم هوجمهوري نيابي ديمقراطي ، ثم عاد وذكر في المادة 2 منه ان الاسلام دين الدولة ولايجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت الاسلام في حين ان الديمقراطية تعني ان الشعب هومن يفوض الحكام سلطاتهم والشعب العراقي متعدد القوميات والاديان والمذاهب بصريح المادة 3 من الدستور ، كما ان المادة 2 من الدستور حملت ذاتها هذا التناقض اومحاولة التوفيق بين الهويه الدينية والهويه الديمقراطية والعلمانية التي تكفل الحقوق والحريات للجميع بما في ذلك حرية الدين والعقيدة مع فصل الدين عن الدولة حيث نصت على أولا: الإسلام دين الدولة الرسمي، وهومصدر أساس للتشريع:أ – لا يجوز سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام. ب – لا يجوز سن قانون يتعارض مع مبادئ الديمقراطية. ج – لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور. ثانيا: يضمن هذا الدستور الحفاظ على الهوية الإسلامية لغالبية الشعب العراقي، كما يضمن كامل الحقوق الدينية لجميع الأفراد في حرية العقيدة والممارسة الدينية كالمسيحيين والأيزديين والصابئة المندائيين ، والحقيقيه ان الدين الاسلامي الحنيف هوايضاً كفل الحقوق والحريات واحترم الاديان والمكونات الاخرى وفق منظور شريعته السمحاء هذا لوطبقت الشريعة الاسلامية بدلاً من القانون الوضعي ، ولكن القوانين في العراق وضعية والبعض منها لاينسجم مع مبادىء الشريعه اصلاً ، ومنها ماهوماخوذ من منابع الشريعه كما هوالحال في معظم نصوص قانون الاحوال الشخصية ، وبذلك يكون واضع الدستور العراقي قد فشل في بلوره هويه واضحه للدستور ، فمن استقراء هذا النص نجد انه حاول جعل الدستور ذوهوية دينية ولكنه ناقض نفسه عندما نص بعدم جواز سن قانون يتعارض مع مبادىء الديمقراطية والحقوق والحريات المستمدة من الافكار الليبرالية وهي افكار توحي بالطابع المدني للدولة فنصوص الدستور تثبت موقفاً ديمقراطياً مصدره خلفية ثيوقراطية اودينية فالدستور يحافظ على الهوية الاسلامية للغالبية مع ضمان حقوق الاقليات ، وحتى الغالبية ذات الهوية المسلمة خضعت لديمقراطية الاغلبية الطائفية داخل معتنقي الدين الواحد وليس الاغلبية القائمة على اعتبارات الوطن والمواطنه ، والثيوقراطية كما وردت في الموسوعة السياسية للدكتورعبد الوهاب الكيالي ص186 مذهب يقوم على تعليل اسناد السلطه السياسية لدى الجماعة على اساس الاعتقاد الديني ، فالنظام الثيوقراطي هوالنظام الذي يستند الى فكرة دينية فالحاكم ظل الله في الارض ومفوض من السماء فالسلطه الزمنية تستمد مقوماتها من المشيئة الالهية ويتم اختيارها بعنايه وتوجيه منها ، وبالتالي فأن القوانين الالهية هي القوانين الواجبه التطبيق وان رجال الدين هم الخبراء بهذه القوانين القوانين الالهيه فهم المعنيون بالدرجه الاولى بتطبيقها ، حيث ظهرت بعض الثيوقراطيات في اورربا في العصور الوسطى في فلورنسا وجنيف وروما ، حيث سيطرة الكنيسة ورجالها على معظم نواحي الحياة السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية في اوربا ، وهذا ولد رد فعل معاكس في الفكر السياسي الاوربي الذي تمخض عن ضهور الافكار العلمانية وفصل الدين عن الدولة والسياسة ، وان الدين ليس مكانه في البرلمان وانما في دور العبادة ، ولعل واقعه تتويج نابليون بونابرت على عرش فرنسا في وقت سابق لضهور الافكار العلمانية خير مثال على تمرد السلطه على الكنيسة .حملات عسكرية فبعد فوز نابليون بحملاته العسكرية المنتصرة فى إيطاليا ومصر، تولى نابليون السلطة كقنصل أول بعد انقلاب 19 نوفمبر، وفى مايو1804 تم إعلانه إمبراطورًا، وقد أقيم حفل تتويجه فى 2 ديسمبر من نفس العام فى كاتدرائية نوتردام فى باريس وكان الهدف من ذلك امران ، الاول ضمان شرعيه تتويجه كامبراطور من خلال اقامة حفل التتويج في هذه الكاتدرائية لاغياً طقوس تتويج العائلة المالكه السابقة من خلال دهن رجال الدين للحاكم بالزيت المقدس ، والثاني اعلان استقلاله عن الكنيسة حيث قام نابليون برفع التاج وتتويج نفسه رغم حضور البابا بيوس السابع لاغياً دور رجال الدين في تفويض السلطه للحاكم باعتبارهم وكلاء الله في الارض ، كذلك نجد ان معاهده لاتران هي واحدة من ثلاثة إتفاقيات أبرمت عام 1929، بين مملكة إيطاليا والكرسي الرسولي ، والتي اعترفت بالسيادة الكاملة للكرسي الرسالي على دولة الفاتكان كان هدفها السياسي تحديد نطاق النفوذ البابوي وفصل سلطاته عن الدولة والسياسة ، ووجه الاتهام للإسلام والمسلمين بالثيوقراطية ، خاصة من طرف الباحثين الغربيين المتأثرين بالاحداث التاريخية والموقف المعاكس لسيطرة الكنيسة على كافه نواحي الحياة ومنها السساسية ، الا ان هذا الاتهام محل نظر ، ذلك أن الثيوقراطية لا مجال لها في الإسلام، فلا وجود لكهنة ولا رهبان في الإسلام حتى يدعوا الحكم باسم الله ، كما أن الفقيه أوالعالم المسلم ليس وسيطا بين العبد وربه كما هوالحال في التقاليد المسيحية، ومع ذلك فقد قامت ثيوقراطيات في التاريخ الإسلامي، فبعض الخلفاء كانوا يعتبرون أنفسهم خلفاء الله في الارض بتاييد من بعض العلماء لتثبيت حكمهم، واستفادوا من فتاواهم في هذا الاتجاه، لكن الأمر لم يصل الى اعتبار الخليفة أوالسلطان أوالأمير معصوما، كما أنَّ الإسلام يعتبر تولي أمور الناس أمرا دنيويا ، فبالرجوع الى وظائف الخليفه التي عددها الماوردي في الاحكام السلطانية نجدها ذات طابع تنفيذي يقوم بها نيابة عن المجتمع لحماية المصلحة العامة وهومقيد باحكام الشريعه وان طاعة الافراد مردها تطبيق حكم الشرع وفي حال الخروج عنها من قبل الخليفه فلا طاعه لمخلوق في معصيه الخالق .ولازالت الدولة الثيقراطية قائمة في الوقت المعاصر تنطلق من خلفيات دينية كالفاتيكان وايران والسعودية وباكستان ، وهذا انعكس بطبيعه الحال على تشريعات هذه الدول ، اما في العراق ، فان المشرع الدستوري وقع في اشكالية عدم الاجادة في صياغه نظام حكم يجمع الفكرتين لخلق هويه مستقله للدستور.هوية الدولة فواضع الدستور لم يوفق في بلورة هوية الدولة فهي لادينية ولاهي علمانية مما يجعل علاقة الدين بالدوالة يكتنفها الغموض وهذا انعكس بدوره على نصوص الدستور الاخرى ومنها المادة 92 من دستور جمهورية العراق المتعلقه بالاساس الدستوري للمحكمة الاتحادية العليا حيث نصت على ان اولاً: المحكمة الاتحادية العليا هيئة قضائية مستقله مالياً وادارياً ، ثانياً : تتكون المحكمه الاتحادية العليا ، من عدد من القضاة ، وخبراء في الفقه الاسلامي ، وفقهاء القانون ، يحدد عددهم ، وتنظم طريقه اختيارهم ، وعمل المحكمة ، بقانون يسن باغلبية ثلثي اعضاء مجلس النواب ، وقدر تعلق الامر بالفقرة ثانياً من المادة اعلاه والخاصة بتكوين المحكمة الاتحادية العليا نود ان نورد الملاحظات الاتية :1. من استقراء الفقرة ثانياً من المادة 92 من الدستور قد لاتثير اول وهلة الاستغراب من وجود اعضاء في المحكمة من غير القضاة وهم خبراء الشريعه وفقهاء القانون ، فالمجلس الدستوري في فرنسا المعني بالرقابة على دستورية مشاريع القوانين والقوانين رقابه سابقه ولاحقه يتكون من اعضاء معينين واعضاء بحكم القانون وهم رؤساء الجمهورية السابقون وهم سياسيين ، الان ان ربط هذا التقسيم باخفاق المشرع الدستوري بالتوفيق اوالمزج بين الهوية الدينية والهوية المدنية ، يثير المخاوف لدى المشرع المنقسم الى فئتين الاولى مؤيدة للجذور الدينية والثانية المتخوفه من هيمنه الدين الرسمي على الاديان الاخرى للمكونات التي كفل الدستور في ذات الوقت حقوقهم وحرياتهم ومنها حريه الدين والعقيده المغايره للدين الرسمي للدولة ، فالاعتراض ليس على الدين الاسلامي وشريعته السمحاء ، وانما المخاوف متولدة من رجل الدين الثيوقراطي الذي يرتدي عباءه الخبير في الفقه الاسلامي الذي قد يصادر قرار اعلى محكمة مسؤولة عن صيانه الدستور والحقوق والحريات القلقه .2. ان وجود فقهاء القانون في تشكيلة المحكمة لحماية الحقوق والحريات في حالة انتهاكها من قبل المشرع لا يبدد هذه المخاوف ، لان فقيه القانون لن ينظر الى مكانته العلمية ومرتبته العلمية ومؤلفاته وخبرته العلمية في مجال اختصاصه ، وانما سينظر اليه وفقاً لاشكالية الدستور من خلفيته الدينية والطائفية والعرقية ، ولذلك سيطالب السياسين بتمثيل كل المكونات وهذا امر اضافه لكون غير ممكن عملياً فهوغير مقبول ان تكون المحكمة الاتحادية العليا محلا للمحاصصة الطائفية والعرقية ، هذا طبعاً اذا سلمنا بنزاهة ومهنية وخبرة القضاة الذين سيرشحون للمحكمة الاتحادية العليا .3. ان اخفاق مجلس النواب اصدار قانون جديد اوتعديل لقانون المحكمة الاتحادية العليا رقم 30 لسنة 2005 يتوافق مع نص المادة 92 من الدستور مرده الى الدستور نفسه الذي بني على اسس طائفية لابناء الدين الواحد واسس عرقية فيما يتعلق بمكونات الوطن الواحد ولم يبنى على اساس الوطن والمواطنه ، ولذلك فأن المخاوف وعدم الثقه والرغبه في تغليب المصالح السياسية ادى بالنهاية الى مخالفة نص المادة 92 من الدستور .4. فضلا عما تقدم فان الاكتفاء بتعديل قانون المحكمة الاتحادية النافذ دون وضع معايير لترشيح القضاة ومؤهلاتهم سيؤدي الى تسابق الكتل السياسية والاحزاب للحصول على تمثيل في تشكيله هذه المحكمة من خلال استماله القضاه لغرض الترشيح ، وهذا بالنتيجة يخل باستقلال القضاء ، ويؤثر على الدور السياسي للمحكمة الاتحادية العليا ، فالقاضي عندما يتوصل لحلول للقضايا المعروضه عليه انما يعكس مواقف سياسيه اتجاه هذه القضايا كونه يتاثر بالمناخ السياسي والرأي العام ويجتهد ليوائم بين القانون والواقع ، وهنا تلعب التاثيرات السياسية للجهات التي رشحت ودعمت القضاة لدفع قرارات المحكمة نحوموقف سياسي تفضله ، لذا نؤكد على وضع معايير لترشيح وانتقاء قضاة المحكمة الاتحادية العليا واهمها الاستقلال السياسي وعدم التحزب ووضع نصوص لعزل اومساءلة القاضي الذي يثبت انتمائة اوتحزبه لغير الوطن والقانون .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى