مقالات

“ضرورة إنتاج حكومة محاصصة عبر قسمة الغرماء التقليدية”

الكاتب : مشرق عباس

لم تعد التظاهرات ومطالبها ومخاطرها أولوية للأوساط السياسية العراقية. ويعتقد أنها فقدت قدرتها على تهديد المجتمع السياسي. فبعد 5 شهور من القتل الممنهج والاختطاف واستخدام الأسلحة المختلفة بحق الناشطين، ومن ثم ظهور وباء “كورونا” واستفحاله، باتت الظروف مناسبة للعودة إلى استئناف مشهد تفتيت الدولة من حيث قاطعته الاحتجاجات الهائلة.
بدأ الحديث صريحا هذه الأيام عن ضرورة إنتاج حكومة محاصصة عبر قسمة الغرماء التقليدية، وصولا إلى تشكيل جبهة تقترح الإبقاء على الحكومة المستقيلة الحالية. فالحديث عن دم المتظاهرين هو محض تحريض، والمطالبة بمعاقبة الجناة هو تطاول على مؤسسات الدولة، والمطالبة بالدولة هو جرح لمشاعر المليشيات المهيمنة عليها، ولا بأس باستثمار الموقف لقطع ألسن المؤيدين للإصلاح السياسي وتحويل التهديدات بتصفيتهم جسديا إلى برنامج عمل.
ولكن ما يفوت القوى السياسية العراقية التي تحاول ترميم شرعيتها التي هدمها دم المتظاهرين، بعد أن فضحتها الشكوك الجادة بنزاهة الانتخابات، أن احتجاجات تشرين العراقية ليست مجرد نزوة عابرة، وأنها غير قابلة للتسوية، كما أنها غير قابلة للإنهاء، بل أنها انتقال للوعي نادر في تاريخ الشعوب، حول مضمون هويتها، وإعادة تعريف النظام السياسي في ضوء الهوية المستعادة.
كل ذلك ليس عابرا، كما أنه ليس تنظيرا، وأن طموحات الأحزاب السياسية بالقضاء على حركة الاحتجاج وإهمال مطالبها أو تسويفها أو الاستدارة حولها، تشي بعجز كامل عن فهم المنطق التاريخي الذي يقف خلف الاحتجاج، والذي يهدد برفع سقوفه.
إن ما يمكن الحديث عنه في هذا الشأن مقلق لكل صاحب رؤية، فنشر الإحباط بين الناس وخصوصا الشباب حول عجز حراكهم السلمي عن تحقيق أهدافه، وإهدار تضحياتهم ودمائهم، لن يكون مجرد انتحار معلن للطبقة السياسية الحالية، بل مغامرة خطرة بكل الوضع العراقي على المدى البعيد.
هذا النوع النادر من الحراكات الاجتماعية كالذي أنتجته احتجاجات تشرين، لا يمتلك خيارات في مساراته، فهو يتقدم بمسار واحد، وطاقته لا يمكن إلا أن يتم تفريغها في الأهداف التي خرج من أجلها.
آخر محاولات الحفاظ على التنويعة السياسية العراقية، هي سعي الأحزاب إلى محاولة التسلل إلى داخل التظاهرات من أجل ركوب أي تيار سياسي محتمل ينتج عنها، وتلك بدورها محاولة بائسة أخرى.
عدم إدراك خطورة الموقف العراقي، ليس مشكلة الأحزاب العراقية فقط، بل قد تكون مشكلة دولية بالدرجة الأساس، فالسماح بتفتيت الدولة العراقية على يد مجموعات سياسية فاسدة، منحها الخارج وليس الداخل العراقي شرعيتها، هو بمثابة إسهام دولي مباشر في خلق أزمة جديدة في قلب الشرق الأوسط، لا تقل خطورة عن الأزمات الحالية.
إن التعامل مع الاحتجاج العراقي باعتباره متغيرا حاسما في المعادلة العراقية، لم يعد خيارا، تماما كما أن الثقة بالمجموعات السياسية العراقية الحالية لم تعد متاحة داخليا، ويجب ألا يكون متاحا خارجيا أيضا.
العودة إلى استئناف مشروع إنهاء الدولة العراقية، على يد أحزاب السلطة المتحاصصة والمليشيات المسلحة المهيمنة على امتصاص إمكانات الدولة وإنهاء قدرتها على النهوض لمواجهة تحدياتها، هي الخطة الوحيدة المتبقية لدى هذه القوى والأحزاب لإنقاذ نفسها عبر تقاسم الدولة جغرافيا بعد تقاسم مؤسساتها.
نعم “كورونا” تحد خطير، يواجه الشارع العراقي والاحتجاجات، لكنه ليس التحدي الأكبر، فإنقاذ الدولة العراقية من مشروع تفتيتها ما زالت الخطة الأكثر وضوحا للشارع وطليعته الشبابية المنتفضة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى