مقالات

في الثقافة الإجتماعية العراقية (3)

في الثقافة الإجتماعية العراقية (3) – منقذ داغر

هل أنت متصلّب أم رخو ؟

أن الحرية والمرونة هي الاصل في السلوك الانساني. لذا فأن الناس حينما ينضموا لجماعة فأنهم في الواقع يتنازلوا عن جزء من حريتهم طوعاً لتحقيق مصلحة مشتركة لكل فرد فيهم. وكما لخص جان جاك روسو مشكلة العقد الاجتماعي بانها ايجاد شكل من التجمع البشري الذي يستطيع بقوة الجماعة ان يحفظ أمن كل فرد وممتلكاته ،ويبقى في ذات الوقت محافظاً على حريته التي كان عليها قبل انضمامه للجماعةواضح طبعاً ان مجرد الانضمام للجماعة سيؤدي الى التنازل عن بعض الحرية لصالح الجماعة. ولو لم تكن هناك ضرورة قصوى للاجتماع الانساني سواء لحفظ الانسان كما قال روسو، أو تعظيم الموارد والتغلب على قوى الطبيعة او المخلوقات التي تمتاز بقوة طبيعية أكبر من الانسان كما قال ابن خلدون، فأن النتيجة التي لا بد منها هي التنازل عن بعض الحريات والحقوق الفردية للالتزام بقواعد الجماعة.

أن من الطبيعي جداً ان يكون حجم التنازلات الفردية كبير حينما يكون التهديد الذي يواجه الانسان (كفرد) كبير أيضا. هكذا تنشأ المجتمعات الصلبة (المتشددة). أما أذا أدرك الافراد ان حجم التهديدات البيئية التي تجابههم لا يتطلب من الجماعة التي ينتمون لها كثير من التعاون والتنسيق والانضباط فسوف لن يكونوا مستعدين للالتزام بضوابط سلوكية معيارية(معايير اجتماعية)تقيد حرياتهم.في المقابل فأذا كانت المصلحة أو العائد المتوقع من وجود الجماعة في حياة الفرد ليس كبيراً فسوف يكون أقل التزاماً بالمعايير وأكثر أستعدادا للانحراف عنها.هكذا تصبح الثقافة الاجتماعية التي تميز بلد ما او جماعة ما أكثر ليونة more loose وأقل تصلباً.أن درجة الصلابة أو الليونة التي تمتاز بها ثقافة اجتماعية ما، أو مجموعة ما تؤثر وتتأثر أيضاً بالحالة الذهنية وطريقة التفكير التي تميز أفراد ذلك المجتمع أو تلك الجماعة.

كما أن طريقة التفكير والسلوك تتأثر بالموقف الذي يوضع فيه الفرد. تصور أنك مدعو لحضور فصل عشائري،أو حفل موسيقي لفرقة الاوركسترا، فمهما كان نمط تفكيرك ليناً فأنك غالباً ستلبس وتتصرف بالطريقة التي يفرضها عليك الموقف.وبعد أن تنتهي من حضور ذلك(الفصل) أو تلك الحفلة تذهب للسهر مع أصدقاءك المقربين.

بالتأكيد ستكون طريقة لبسك وتصرفك أكثر أنفتاحاً ومرونة وأقل تقيداً بالرسميات.

هل قرأتم الرواية الشهيرة للكاتب الكبير نجيب محفوظ المسماة الثلاثية ؟ أو هل شاهدتم الفلم أو المسلسل الذي جسد تلك الرواية حيث بطلها(سي السيد)يتقلب نهارا بين شخصية الاب الصارم والتاجر الوقور المنضبط، وليلاً حيث يتحول الى رجل الغواني والراقصات الذي يخلع ثيابه التقليدية وطربوشه ويتمايل طرباً مع تينك الغواني!

أن هذا النمط من الشخصيات الذي أبدع الراحل نجيب محفوظ في الكتابة عنه ليس غريباً ولا فريداً بل هو شائع في حياتنا وفي مختلف المجتمعات وأن كان بأنماط ودرجة حدة مختلفة.

نحن أذن نتقلب في تفكيرنا وممكن سلوكنا ايضاً بين الليونة والتصلب تبعاً للموقف.

مع ذلك يعتقد العلماء ان هناك نمط تفكير سائد هو الذي يظهر في المواقف الاجتماعية لأي فرد.

ولكي تعرف أي نمط من الشخصيات أنت، أو الى أي جانب تميل أكثر، أسأل نفسك ثلاث أسئلة رئيسة:

1- الى أي حد تنتبه للمعايير الاجتماعية التي تحكم الجماعة أو المجتمع، وتهتم بالتوقعات التي يتوقعها الآخرون منك؟

2- هل تميل دوماً للحذر والسيطرة الشديدة على تصرفاتك أو تميل الى المغامرة والعفوية؟

3- هل تميل الى الوضوح والنظام بحيث ترغب دوما بوجود هيكل واضح للمواقف التي تجابهها، أم تميل للغموض والمواقف غير الواضحة؟ستكون غالباً من النمط الصلب(المتشدد) أذا أجبت بنعم على كل الأسئلة هذه. مع ذلك،وحتى حين تكون اجابتك نعم على كل الأسئلة فان التجارب العملية والعلمية تخبرنا أنه لا يوجد تصلب تام ولا ليونة تامة وأن معظم الناس يتواجدون في نقطة ما بين التصلب التام او الليونة التامة. وهذا الموقع قد يتغير تبعا للظروف والمواقف التي تتعرض لها. فأين يتواجد العراقيون عموماً في نمط تفكيرهم نحو التصلب(التشدد)،أو الرخاوة (المرونة)؟ سأجيب في حلقة القادمة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى