مقالات

نظرة في قرار حظر التجوال الكلي والجزئي في العراق

بقلم: الدكتور جاسب لطيف علي الحجامي

اصدرت الجهات المختصة في العراق عدة قرارات لحظر التجوال الكلي او الجزئي منذ بداية تفشي وباء فايروس كورونا المستجد في الاشهر الاولى من هذا العام ثم اجرت عليه عدة تعديلات ،فهل تم تطبيق هذه القرارت بشكل صحيح ؟ وهل كان لها اثر قلَّ او كثُرَ في الحد من انتشار المرض؟ و لفهم اثر حظر التجوال و التباعد الاجتماعي في الحد من انتشار الاوبئة لابد من اجراء استعراض سريع و مختصر لتطور التعامل مع الاوبئة منذ آلاف السنين. لقد تعرضت البشرية منذ بدء الخليقة الى عدة انواع من الاوبئة كان بعضها يقضي على اكثر من نصف او ثلثي السكان في كل مرة. في عام ٥٤١ من الميلاد ضرب سكان العالم مرض الطاعون الذي سمي (طاعون جستنيان) نسبة لامبراطور بيزنطة(جستنيان) و قتل من ٣٠ الى ٥٠ مليون شخصا اي نصف سكان الارض تقريبا في ذلك الوقت وكان الحل الوحيد لديهم للوقاية من المرض هو تجنب ملامسة المصابين، و في عام ١٣٤٧ من الميلاد ضرب العالم الطاعون مرة اخرى و سمي( الموت الاسود ) وقتل بحدود ٢٠٠مليون شخصا في اربعة سنين فقط، و ايضا لم يكن هناك حل غير الابتعاد عن المصابين و ظهر اول مفهوم للحجر عندما قرر المسؤولون في (فينيسيا) حجر البحارة في سفنهم لمدة ثلاثين يوما “torentino “ ثم جعلوها اربعين يوما “quarantino “ التي تعني اربعين، وهي اصل كلمة “quarantine” التي تعني (الحجر الصحي). واستمر الطاعون بضرب مدينة لندن كل عشرة سنوات و لمدة ٣٠٠ سنة اي اربعين مرة تقريبا و كان يقتل في كل مرة ٢٠٪؜ من اللندنيين الذين اتخذوا عدة اجراءات صارمة منها الزام المصابين بالتزام البيوت قسريًا و رسم صليبًا احمر اللون على باب البيت و وضع حزمة من القش معلقة في عمود خارج المنزل للاشارة الى ان هذا البيت فيه مصابون و الزموا كل شخص مصاب ان يحمل عمودًا ابيض اذا خرج خارج المنزل واغلقت كل محال الترفيه. اما الجدري الذي كان متوطنا في اوربا و آسيا و الجزيرة العربية كان يشكل تهديدا مستمرا للسكان و كان يقتل ثلاثة من كل عشرة مصابين و يترك ندبًا على الباقين و نقله المستكشفون الى المكسيك حيث قتل ٩٠الى ٩٥٪؜ من السكان، و في نهاية القرن الثامن عشر الميلادي طور الطبيب البريطاني ( ادوارد جينير ) لقاحا ضد الفايروس و كان اول فايروسا ينتهي باللقاح حيث اعلنت منظمة الصحة العالمية في عام ١٩٨٠ اختفاء الفايروس من وجه الارض. اما الكوليرا التي تنتشر بسبب الماء الملوث فقد انتهت تقريبا في الدول المتقدمة و لكنها لازالت متوطنة في الدول النامية و منها العراق. نعود للوضع الحالي في العراق فيما يخص فايروس كورونا المستجد و آليات محاربته، حيث اصدرت لجنة الامر الديواني رقم (٥٥) لسنة ٢٠٢٠م في اواخر شهر آذار من العام الحالي عدة قرارات صارمة كان من اهمها فرض حظر تجوال شامل في عموم البلد و تم تمديده لعدة مرات ثم بدأت برفعه جزئياً ثم فرض مرة اخرى لوقت قصير من قبل اللجنة العليا للصحة و السلامة الوطنية و حاليا يفرض جزئيًا من الساعة العاشرة مساءً لغاية الساعة الخامسة صباحا مع عدة اجراءات مرافقة له بما يخص السفر والطيران و عيادات الاطباء و المطاعم و غيرها. اتذكر اني في يوم ٢٨ آذار كتبت عن جولات اجريتها في مناطق الكرخ المختلفة لتقييم مدى الالتزام و ذكرت في وقتها ان الوضع لا يدعو للتفاؤل عندما كانت الكرخ تسجل حالة واحدة او حالتين في اليوم الواحد او لا تسجل ولا حالة. بعد ذلك كان عدم الالتزام يصل الى ١٠٠٪؜ في اكثر المناطق و بنسب متفاوتة في مناطق اخرى، و حتى الوقت الحاضر فإن الحظر أكان كليًا او جزئيًا فانه يقتصر على غلق الطرق الرئيسية فقط والمحلات و المطاعم تفتح بطريق او آخر و اصبحت بابًا من ابواب الفساد فالبعض يدفع ليفتح و يعمل و من لا يدفع لا يفتح و هذا يسري على كل المرافق الخاصة الاخرى التي يسترزق منها الناس سواءً الأغنياء اصحاب المصالح او الفقراء العاملين لديهم. و اما فرض حظر التجوال الشامل في ايام العطل والجمع و السبت فقد تضرر منه بشكل كبير جداً الفقراء حيث ان اكثرهم ينتظر هذه الايام ليعمل في البناء مثلًا او الاسواق و البسطيات و ماشابه ذلك. اما قرار غلق العيادات الطبية الخاصة و الصيديليات و المختبرات فلا اظن انه طبق ولا حتى ١٪؜ وايضا البعض خضع للدفع و المساومات. نستطيع ان نقول و بكل ثقة ان كل قرارات فرض حظر التجوال فشلت ولم تحقق حتى النزر اليسير من اهدافها سواءً بسبب المواطن نفسه او الجهات الواجب عليها تنفيذ الحظر. ان الشخصية العراقية بما مر عليها عبر مئات السنين من احتلال متناوب ما بين الدولتين الصفوية و العثمانية اعقبه الاحتلال البريطاني و مارافقه ثم الحروب و الحصار ثم الاحتلال الامريكي و مارافقه من ارهاب و طائفية و التثقيف السيء من الخارج عبر التكنولوجيا الحديثة جعل منها شخصية متمردة عنيدة مشاكسة لا يمكن اجبارها على الالتزام بأي توجيه او قرار و إن كان فيه مصلحتها. ان التعويل على لقاح جديد يمنع الاصابة في هذه الاوقات هو ضرب من ضروب الخيال و يجب ان ننساه في الوقت الحاضر فكل ما يعلن الآن لا يعدو كونه سباق اعلامي بين الدول والشركات وان نجح فعلا فوصوله الى العراق يحتاج وقتًا طويلًا و سوف نفقد اعزاء كثيرين بإنتطار اللقاح. يجب على السادة اصحاب القرار اعادة النظر بالطرق و القرارات السابقة و الحالية والتعويل على طرق و آليات ناجعة و مؤثرة في الحد من انتشار المرض وهذا لا تتحمله وزارة الصحة التي طورت كثيرا من امكانياتها في التشخيص والعلاج واستيعاب الحالات المتزايدة. و يبقى موضوع المؤيدين للحظر وهم اول الناس الغير ملتزمين به وبين غير المؤيدين كمثل الفلاح و صاحب الخزف، حيث يدعوا الفلاح ربه لينزل المطر و يدعوا صاحب الخزف ربه ان لا ينزل المطر. ويبقى الحل الامثل بيد المواطن في الالتزام بسبل الوقاية من المرض و التي اهمها عدم الخروج من المنزل الا للضرورة مع ارتداء الكمامة و استعمال المعقمات و غسل اليدين باستمرار و الالتزام بالمسافة اللازمة لتجنب العدوى و الجزئيات الاخرى التي باتت معروفة للجميع والتي من شأنها ان تمنع المرض و تحد من انتشاره كما يحصل في الدول الاخرى واللجنة العليا للصحة و السلامة الوطنية كذلك عليها اعادة النظر في اجراءات فرض حظر التجوال. و إلى هذا الحد أكتفي بهذا المقدار فالموضوع يحتاج الى تفاصيل كثيرة و طويلة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى